منتدي رياض الصالحين
اهلا وسهلا بكل السادة الزوار ونرحب بكم بمنتديات رياض الصالحين ويشرفنا ويسعدنا انضمامكم لاسرة المنتدي

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

منتدي رياض الصالحين
اهلا وسهلا بكل السادة الزوار ونرحب بكم بمنتديات رياض الصالحين ويشرفنا ويسعدنا انضمامكم لاسرة المنتدي
منتدي رياض الصالحين
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

تفسير سورة القلم ايه رقم 1 الى 15 الشيخ سيد قطب

اذهب الى الأسفل

تفسير سورة القلم ايه رقم 1 الى 15 الشيخ سيد قطب Empty تفسير سورة القلم ايه رقم 1 الى 15 الشيخ سيد قطب

مُساهمة  كمال العطار الخميس يونيو 14, 2012 10:03 pm

من الاية 1 الى الاية 1

ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)

سورة القلم

تقديم لسورة القلم

لا يمكن تحديد التاريخ الذي نزلت فيه هذه السورة سواء مطلعها أو جملتها . كما أنه لا يمكن الجزم بأن مطلعها قد نزل أولا , وأن سائرها نزل أخيرا - ولا حتى ترجيح هذا الاحتمال . لأن مطلع السورة وختامها يتحدثان عن أمر واحد , وهو تطاول الذين كفروا على شخص رسول الله [ ص ] وقولهم:إنه مجنون !

والروايات التي تقول:إن هذه السورة هي الثانية في النزول بعد سورة العلق كثيرة , ومن المتفق عليه في ترتيب المصاحف المختلفة أنها هي السورة الثانية ; ولكن سياق السورة وموضوعها وأسلوبها يجعلنا نرجح غير هذا . حتى ليكاد يتعين أنها نزلت بعد فترة من الدعوة العامة , التي جاءت بعد نحو ثلاث سنوات من الدعوة الفردية , في الوقت الذي أخذت فيه قريش تدفع هذه الدعوة وتحاربها , فتقول عن رسول الله [ ص ] تلك القولة الفاجرة ; وأخذ القرآن يردها وينفيها , ويهدد المناهضين للدعوة , ذلك التهديد الوارد في السورة .

واحتمال أن مطلع السورة نزل مبكرا وحده بعد مطلع سورة العلق . وأن الجنون المنفي فيهSadما أنت بنعمة ربك بمجنون). . جاء بمناسبة ما كان يتخوفه النبي [ ص ] على نفسه في أول الوحي , من أن يكون ذلك جنونا أصابه . . هذا الاحتمال ضعيف . لأن هذا التخوف ذاته على هذا النحو ليست فيه رواية محققة , ولأن سياق السورة المتماسك يدل على أن هذا النفي ينصب على ما جاء في آخرها من قوله تعالىSadوإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون:إنه لمجنون). . فهذا هو الأمر الذي افتتح السورة بنفيه , كما يتبادر إلى الذهن عند قراءة السورة المتماسكة الحلقات .

كذلك ذكرت بعض الروايات أن في السورة آيات مدنية من الآية السابعة عشرة إلى نهاية الآية الثالثة والثلاثين . وهي الآيات التي ذكرت قصة أصحاب الجنة وابتلاءهم , والآيات من الثانية والأربعين إلى نهاية الخمسين وهي التي تشير إلى قصة صاحب الحوت . . ونحن نستبعد هذا كذلك . ونعتقد أن السورة كلها مكية . لأن طابع هذه الآيات عميق في مكيته . وهو أنسب شيء لأن يجيء في سياق السورة عند نزولها متسقا مع الموضوع ومع الحالة التي تعالجها .

والذي نرجحه بشأن السورة كلها أنها ليست الثانية في ترتيب النزول ; وأنها نزلت بعد فترة من البعثة النبوية بعد أمر النبي [ ص ] بالدعوة العامة . وبعد قول الله تعالى لهSadوأنذر عشيرتك الأقربين). وبعد نزول طائفة من القرآن فيها شيء من قصص الأولين وأخبارهم , التي قال عنها قائلهم: (أساطير الأولين). . وبعدما أصبحت قريش مدعوة إلى الإسلام كافة , وأصبحت تدفع هذه الدعوة بالاتهامات الباطلة والحرب العنيفة التي اقتضت تلك الحملة العنيفة الواردة في السورة على المكذبين , والتهديد القاصم في أولها وفي آخرها على السواء . . والمشهد الأخير في السورة يوحي بهذا كذلكSadوإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون:إنه لمجنون). . فهو مشهد دعوة عامة لمجموعات كبيرة . ولم يكن الأمر كذلك في أول الدعوة . إنما كانت الدعوة توجه إلى أفراد . بوسيلة فردية . ولا تلقى إلى الذين كفروا وهم متجمعون . ولم يقع شيء من هذا - كما تقول الروايات الراجحة - إلا بعد ثلاث سنوات من بدء الدعوة .

والسورة تشير إلى شيء من عروض المشركين على النبي [ ص ] للالتقاء في منتصف الطريق , والتهادن على تراض في القضية التي يختلفون عليها وهي قضية العقيدةSadودوا لو تدهن فيدهنون). . وظاهر أن مثل هذه المحاولة لا تكون والدعوة فردية , ولا خطر منها . إنما تكون بعد ظهورها , وشعور المشركين بخطرها .

وهكذا تتضافر الشواهد على أن هذه السورة نزلت متأخرة عن أيام الدعوة الأولى . وأن هناك ثلاث سنوات على الأقل - قابلة للزيادة - بين بدء الدعوة وبين وقت نزولها . ولا يعقل أن ثلاث سنوات مرت لم يتنزل فيها قرآن . والطبيعي أن تكون هناك سور كثيرة , وأجزاء من سور قد نزلت في هذه الفترة , تتحدث عن ذات العقيدة بدون مهاجمة عنيفة للمكذبين بها كالوارد في هذه السورة منذ مطلعها .

ولكن هذا لا ينفي أن تكون هذه السورة وسورتا المدثر والمزمل قد نزلت في الفترة الأولى من الدعوة . وإن لم يكن ذلك أول ما نزل كما هو وارد في المصاحف , للأسباب التي أوردناها هنا . وهي تكاد تنطبق كذلك على سورتي المزمل والمدثر .

لقد كانت هذه الغرسة - غرسة العقيدة الإسلامية - تودع في الأرض لأول مرة في صورتها الرفيعة المجردة الناصعة . وكانت غريبة على حس الجاهلية السائدة , لا في الجزيرة العربية وحدها بل كذلك في أنحاء الأرض جميعا .

وكانت النقلة عظيمة بين الصورة الباهتة المحرفة المشوهة من ملة إبراهيم التي يستمسك بخيوط حائلة منها مشركو قريش , ويلصقون بها الترهات والأساطير والأباطيل السائدة عندهم , وبين الصورة الباهرة العظيمةالمستقيمة الواضحة البسيطة الشاملة المحيطة التي جاءهم بها محمد [ ص ] متفقة في أصولها مع الحنيفية الأولى - دين إبراهيم عليه السلام - وبالغة نهاية الكمال الذي يناسب كونها الرسالة الأخيرة للأرض , الباقية لتخاطب الرشد العقلي في البشرية إلى آخر الزمان .

وكانت النقلة عظيمة بين الشرك بالله وتعدد الأرباب , وعبادة الملائكة وتماثيلها , والتعبد للجن وأرواحها , وسائر هذه التصورات المضطربة المفككة التي تتألف منها العقيدة الجاهلية . . وبين الصورة الباهرة التي يرسمها القرآن للذات الإلهية الواحدة وعظمتها وقدرتها , وتعلق إرادتها بكل مخلوق .

كذلك كانت النقلة عظيمة بين الطبقية السائدة في الجزيرة , والكهانة السائدة في ديانتها , واختصاص طبقات بالذات بالسيادة والشرف وسدانة الكعبة والقيام بينها وبين العرب الآخرين . . وبين البساطة والمساواة أمام الله والاتصال المباشربينه وبين عباده كما جاء بها القرآن .

ومثلها كانت النقلة بين الأخلاق السائدة في الجاهلية والأخلاق التي جاء القرآن يبشر بها , وجاء محمد [ ص ] يدعو إليها ويمثلها .

وكانت هذه النقلة وحدها كافية للتصادم بين العقيدة الجديدة وبين قريش ومعتقداتها وأخلاقها . ولكن هذه لم تكن وحدها . فقد كان إلى جانبها اعتبارات - ربما كانت أضخم في تقدير قريش من العقيدة ذاتها - على ضخامتها .

كانت هناك الاعتبارات الاجتماعية التي دعت بعضهم أن يقول كما حكى عنهم القرآن الكريم: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم !). . والقريتان هما مكة والطائف . فإن رسول الله [ ص ] مع شرف نسبه , وأنه في الذؤابة من قريش , لم تكن له مشيخة فيهم ولا رياسة قبل البعثة . بينما كان هناك مشيخة قريش ومشيخة ثقيف وغيرهما , في بيئة تجعل للمشيخة والرياسة القبلية كل الاعتبار , فلم يكن من السهل الانقياد خلف محمد [ ص ] من هؤلاء المشيخة !

وكانت هناك الاعتبارات العائلية التي تجعل رجلا كأبي جهل "عمرو بن هشام" يأبى أن يسلم بالحق الذي يواجهه بقوة في الرسالة الإسلامية , لأن نبيها من بني عبد مناف . . وذلك كما ورد في قصته مع الأخنس بن شريق وأبي سفيان بن حرب , حين خرجوا ثلاث ليال يستمعون القرآن خفية , وهم في كل ليلة يتواعدون على عدم العودة خيفة أن يراهم الناس فيقع في نفوسهم شيء . فلما سأل الأخنس بن شريق أبا جهل رأيه فيما سمع من محمد كان جوابه:"ماذا سمعت ? تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف:أطعموا فأطعمنا , وحملوا فحملنا , وأعطوا فأعطينا . حتى إذا تجاثينا على الركب , وكنا كفرسي رهان , قالوا:منا نبي يأتيه الوحي من السماء . فمتى ندرك مثل هذه ? والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه ! " .

وكانت هناك اعتبارات أخرى نفعية وطبقية ونفسية من ركام الجاهلية في المشاعر والتصورات والأوضاع كلها تحاول قتل تلك الغرسة الجديدة في مغرسها بكل وسيلة قبل أن تثبت جذورها وتتعمق , وقبل أن تمتد فروعها وتتشابك . وبخاصة بعد أن تجاوزت دور الدعوة الفردية ; وأمر الله تعالى نبيه [ ص ] أن يجهر بالدعوة ; وأخذت معالم الدعوة الجديدة تبرز , كما أخذ القرآن يتنزل بتسفيه عقيدة الشرك وما وراءها من الآلهة المدعاة والتصورات المنحرفة والتقاليد الباطلة .

والرسول [ ص ] ولو أنه نبي , ولو أنه يتلقى من ربه الوحي , ولو أنه يتصل بالملأ الأعلى . . هو بشر , تخالجه مشاعر البشر . وكان يتلقى هذه المقاومة العنيفة , وتلك الحرب التي شنها عليه المشركون , ويعاني وقعها العنيف الأليم , هو والحفنة القليلة التي آمنت به على كره من المشركين .

وكان [ ص ] يسمع والمؤمنون به يسمعون , ما كان يتقوله عليه المشركون , ويتطاولون به على شخصه الكريم , (ويقولون:إنه لمجنون). . ولم تكن هذه إلا واحدة من السخريات الكثيرة , التي حكاها القرآن في السور الأخرى ; والتي كانت توجه إلى شخصه [ ص ] وإلى الذين آمنوا معه . وغير الأذى الذي كان يصيب الكثيرين منهم على أيدي أقربائهم الأقربين !

والسخرية والاستهزاء - مع الضعف والقلة - مؤذيان أشد الإيذاء للنفس البشرية , ولو كانت هي نفس رسول .

ومن ثم نرى في السور المكية - كسور هذا الجزء - أن الله كأنما يحتضن - سبحانه - رسوله والحفنة المؤمنة معه , ويواسيه ويسري عنه , ويثني عليه وعلى المؤمنين . ويبرز العنصر الأخلاقي الذي يتمثل في هذه الدعوة وفي نبيها الكريم . وينفي ما يقوله المتقولون عنه , ويطمئن قلوب المستضعفين بأنه هو يتولى عنهم حرب أعدائهم , ويعفيهم من التفكير في أمر هؤلاء الأعداء الأقوياء الأغنياء !

ونجد من هذا في سورة القلم مثل قوله تعالى عن النبي [ ص ]:

(ن . والقلم وما يسطرون . ما أنت بنعمة ربك بمجنون . وإن لك لأجرا غير ممنون . وإنك لعلى خلق عظيم). .

وقوله تعالى عن المؤمنين:

إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم . أفنجعل المسلمين كالمجرمين ? مالكم ? كيف تحكمون ?! . .

ويقول عن أحد أعداء النبي البارزين:

(ولا تطع كل حلاف مهين . هماز مشاء بنميم . مناع للخير معتد أثيم . عتل بعد ذلك زنيم . أن كان ذا مال وبنين . إذا تتلى عليه آياتنا قال:أساطير الأولين . سنسمه على الخرطوم !). .

ثم يقول عن حرب المكذبين عامة:

(فذرني ومن يكذب بهذا الحديث . سنستدرجهم من حيث لا يعلمون . وأملي لهم إن كيدي متين). .

وذلك غير عذاب الآخرة المذل للمتكبرين:

يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون . خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة . وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون . .

ويضرب لهم أصحاب الجنة - جنة الدنيا - مثلا على عاقبة البطر تهديدا لكبراء قريش المعتزين بأموالهم وأولادهم ممن لهم مال وبنون ; الكائدون للدعوة بسبب مالهم من مال وبنين .

وفي نهاية السورة يوصي النبي [ ص ] بالصبر الجميل: (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت . .).

ومن خلال هذه المواساة وهذا الثناء وهذا التثبيت , مع الحملة القاصمة على المكذبين والتهديد الرهيب , يتولى الله - سبحانه - بذاته حربهم في ذلك الأسلوب العنيف . . من خلال هذا كله نتبين ملامح تلك الفترة , فترة الضعف والقلة , وفترة المعاناة والشدة , وفترة المحاولة القاسية لغرس تلك الغرسة الكريمة في تلك التربة العنيدة !

كذلك نلمح من خلال أسلوب السورة وتعبيرها وموضوعاتها ملامح البيئة التي كانت الدعوة الإسلامية تواجهها . وهي ملامح فيها سذاجة وبدائية في التصور والتفكير والمشاعر والاهتمامات والمشكلات على السواء .

نلمح هذه السذاجة في طريقة محاربتهم للدعوة بقولهم للنبي [ ص ] (إنه لمجنون)!
من الاية 2 الى الاية 3

مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3)

وهو اتهام لا حبكة فيه ولا براعة , وأسلوب من لايجد إلا الشتمة الغليظة يقولها بلا تمهيد ولا برهان , كما يفعل السذج البدائيون .

ونلمحها في الطريقة التي يرد الله بها عليهم فريتهم ردا يناسب حالهمSadما أنت بنعمة ربك بمجنون . وإن لك لأجرا غير ممنون . وإنك لعلى خلق عظيم . فستبصر ويبصرون . بأيكم المفتون). . وكذلك في التهديد المكشوف العنيفSadفذرني ومن يكذب بهذا الحديث . سنستدرجهم من حيث لا يعلمون . وأملي لهم إن كيدي متين). .

ونلمحها في رد هذا السب على رجل منهمSadولا تطع كل حلاف مهين . هماز مشاء بنميم . مناع للخير معتد أثيم . عتل بعد ذلك زنيم . . .).

ونلمحها في القصة - قصة أصحاب الجنة - التي ضربها الله لهم . وهي قصة قوم سذج في تفكيرهم وتصورهم وبطرهم , وفي حركاتهم كذلك وأقوالهم (وهم يتخافتون . ألا يدخلنها اليوم عليكم مسكين . . الخ).

وأخيرا نلمح سذاجتهم من خلال ما يوجهه إليهم من الجدلSadأم لكم كتاب فيه تدرسون:إن لكم فيه لما تخيرون ? أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون ? سلهم أيهم بذلك زعيم ?). . .

وهي ملامح تظهر بوضوح من خلال التعبير القرآني , وتفيد في دراسة السيرة ووقائعها وخطوات الدعوة فيها ; ومدى ما ارتفع القرآن بعد ذلك بهذه البيئة وبتلك الجماعة في أواخر عهد الرسول [ ص ] ومدى ما نقلها من هذه السذاجة في التفكير والتصور والشعور والاهتمام . كما يتضح في أساليب الخطاب فيما بعد , وفي الحقائق والمشاعر والتصورات والاهتمامات بعد عشرين عاما لا تزيد . وهي في حياة الأمم ومضة لا تذكر . ولا تقاس إليها تلك النقلة الواسعة الشاملة . . التي انتقلتها الجماعة في هذا الوقت القصير . والتي تسلمت بها قيادة البشرية فارتفعت بتصوراتها وأخلاقها إلى القمة التي لم ترتفع إليها قيادة قط في تاريخ البشرية , لا من ناحية طبيعة العقيدة , ولا من ناحية آثارها الواقعية في حياة الإنسان في الأرض , ولا من ناحية السعة والشمول لتضم الإنسانية كلها بين جوانحها في سماحة وعطف , وفي تلبية لكل حاجاتها الشعورية , وحاجاتها الفكرية , وحاجاتها الاجتماعية , وحاجاتها التنظيمية في شتى الميادين . .

إنها المعجزة تتجلى في النقلة من هذه السذاجة التي تبدو ملامحها من خلال مثل هذه السورة إلى ذلك العمق والشمول . وهي نقلة أوسع وأكبر من تحول القلة إلى كثرة , والضعف إلى قوة , لأن بناء النفوس والعقول أعسر من بناء الأعداد والصفوف .

الدرس الأول:1 - 13 القسم بالقلم على حقيقة النبوة

(ن , والقلم وما يسطرون . ما أنت بنعمة ربك بمجنون . وإن لك لأجرا غير ممنون . وإنك لعلى خلق عظيم . فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون . إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله , وهو أعلم بالمهتدين . فلا تطع المكذبين . ودوا لو تدهن فيدهنون . ولا تطع كل حلاف مهين . هماز مشاء بنميم . مناع للخير معتد أثيم . عتل بعد ذلك زنيم . أن كان ذا مال وبنين . إذا تتلى عليه آياتنا قال:أساطير الأولين . سنسمه على الخرطوم). .

يقسم الله - سبحانه - بنون , وبالقلم , وبالكتابة . والعلاقة واضحة بين الحرف "نون" . بوصفه أحد حروف الأبجدية وبين القلم , والكتابة . . فأما القسم بها فهو تعظيم لقيمتها , وتوجيه إليها , في وسط الأمة التي لم تكن تتجه إلى التعلم عن هذا الطريق , وكانت الكتابة فيها متخلفة ونادرة , في الوقت الذي كان دورها المقدر لها فيعلم الله يتطلب نمو هذه المقدرة فيها , وانتشارها بينها , لتقوم بنقل هذه العقيدة وما يقوم عليها من مناهج الحياة إلى أرجاء الأرض . ثم لتنهض بقيادة البشرية قيادة رشيدة . وما من شك أن الكتابة عنصر أساسي في النهوض بهذه المهمة الكبرى .

ومما يؤكد هذا المفهوم أن يبدأ الوحي بقوله تعالىSadاقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم). . وأن يكون هذا الخطاب موجها للنبي الأمي - الذي قدر الله أن يكون أميا لحكمة معينة - ولكنه بدأ الوحي إليها منوها بالقراءة والتعليم بالقلم . ثم أكد هذه اللفتة هنا بالقسم بنون , والقلم وما يسطرون . وكان هذا حلقة من المنهج الإلهي لتربية هذه الأمة وإعدادها للقيام بالدور الكوني الضخم الذي قدره لها في علمه المكنون .

يقسم الله - سبحانه - بنون والقلم وما يسطرون , منوها بقيمة الكتابة معظما لشأنها كما أسلفنا لينفي عن رسوله [ ص ] تلك الفرية التي رماه بها المشركون , مستبعدا لها , ونعمته على رسوله ترفضها .

(ما أنت بنعمة ربك بمجنون). .

فيثبت في هذه الآية القصيرة وينفي . . يثبت نعمة الله على نبيه , في تعبير يوحي بالقربى والمودة:حين يضيفه سبحانه إلى ذاتهSadربك). وينفي تلك الصفة المفتراة التي لا تجتمع مع نعمة الله , على عبد نسبه إليه وقربه واصطفاه . .

وإن العجب ليأخذ كل دارس لسيرة الرسول [ ص ] في قومه , من قولتهم هذه عنه , وهم الذين علموا منه رجاحة العقل حتى حكموه بينهم في رفع الحجر الأسود قبل النبوة بأعوام كثيرة . وهم الذين لقبوه بالأمين , وظلوا يستودعونه أماناتهم حتى يوم هجرته , بعد عدائهم العنيف له , فقد ثبت أن عليا - كرم الله وجهه - تخلف عن رسول الله أياما في مكة , ليرد إليهم ودائعهم التي كانت عنده ; حتى وهم يحادونه ويعادونه ذلك العداء العنيف . وهم الذين لم يعرفوا عليه كذبة واحدة قبل البعثة . فلما سأل هرقل أبا سفيان عنه:هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل نبوته ? قال أبو سفيان - وهو عدوه قبل إسلامه - لا , فقال هرقل:ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله !

إن الإنسان ليأخذه العجب أن يبلغ الغيظ بالناس إلى الحد الذي يدفع مشركي قريش إلى أن يقولوا هذه القولة وغيرها عن هذا الإنسان الرفيع الكريم , المشهور بينهم برجاحة العقل وبالخلق القويم . ولكن الحقد يعمي ويصم , والغرض يقذف بالفرية دون تحرج ! وقائلها يعرف قبل كل أحد , أنه كذاب أثيم !

(ما أنت بنعمة ربك بمجنون). . هكذا في عطف وفي إيناس وفي تكريم , ردا على ذلك الحقد الكافر , وهذا الافتراء الذميم .

(وإن لك لأجرا غير ممنون). .

وإن لك لأجرا دائما موصولا , لا ينقطع ولا ينتهي , أجرا عند ربك الذي أنعم عليك بالنبوة ومقامها الكريم . . وهو إيناس كذلك وتسرية وتعويض فائض غامر عن كل حرمان وعن كل جفوة وعن كل بهتان يرميه به المشركون . وماذا فقد من يقول له ربهSadوإن لك لأجرا غير ممنون)? في عطف وفي مودة وفي تكريم ?

من الاية 4 الى الاية 7

وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7)

الدرس الثاني:4 عظمة خلق الرسول عليه السلام

ثم تجيء الشهادة الكبرى والتكريم العظيم:

(وإنك لعلى خلق عظيم). .

وتتجاوب أرجاء الوجود بهذا الثناء الفريد على النبي الكريم ; ويثبت هذا الثناء العلوي في صميم الوجود ! ويعجز كل قلم , ويعجز كل تصور , عن وصف قيمة هذه الكلمة العظيمة من رب الوجود , وهي شهادة من الله , في ميزان الله , لعبد الله , يقول له فيهاSadوإنك لعلى خلق عظيم). ومدلول الخلق العظيم هو ما هو عند الله مما لا يبلغ إلى إدراك مداه أحد من العالمين !

ودلالة هذه الكلمة العظيمة على عظمة محمد [ ص ] تبرز من نواح شتى:

تبرز من كونها كلمة من الله الكبير المتعال , يسجلها ضمير الكون , وتثبت في كيانه , وتتردد في الملأ الأعلى إلى ما شاء الله .

وتبرز من جانب آخر , من جانب إطاقة محمد [ ص ] لتلقيها . وهو يعلم من ربه هذا , قائل هذه الكلمة . ما هو ? ما عظمته ? ما دلالة كلماته ? ما مداها ? ما صداها ? ويعلم من هو إلى جانب هذه العظمة المطلقة , التي يدرك هو منها ما لا يدركه أحد من العالمين .

إن إطاقة محمد [ ص ] لتلقي هذه الكلمة , من هذا المصدر , وهو ثابت , لا ينسحق تحت ضغطها الهائل - ولو أنها ثناء - ولا تتأرجح شخصيته تحت وقعها وتضطرب . . تلقيه لها في طمأنينة وفي تماسك وفي توازن . . هو ذاته دليل على عظمة شخصيته فوق كل دليل .

ولقد رويت عن عظمة خلقه في السيرة , وعلى لسان أصحابه روايات منوعة كثيرة . وكان واقع سيرته أعظم شهادة من كل ما روي عنه . ولكن هذه الكلمة أعظم بدلالتها من كل شيء آخر . أعظم بصدورها عن العلي الكبير . وأعظم بتلقي محمد لها وهو يعلم من هو العلي الكبير , وبقائه بعدها ثابتا راسخا مطمئنا . لا يتكبر على العباد , ولا ينتفخ , ولا يتعاظم , وهو الذى سمع ما سمع من العلى الكبير !

والله أعلم حيث يجعل رسالته . وما كان إلا محمد [ ص ] بعظمة نفسه هذه - من يحمل هذه الرسالة الأخيرة بكل عظمتها الكونية الكبرى . فيكون كفئا لها , كما يكون صورة حية منها .

إن هذه الرسالة من الكمال والجمال , والعظمة والشمول , والصدق والحق , بحيث لا يحملها إلا الرجل الذي يثني عليه الله هذا الثناء . فتطيق شخصيته كذلك تلقي هذا الثناء . في تماسك وفي توازن , وفي طمأنينة . طمأنينة القلب الكبير الذي يسع حقيقة تلك الرسالة وحقيقة هذا الثناء العظيم . ثم يتلقى - بعد ذلك - عتاب ربه له ومؤاخذته إياه على بعض تصرفاته , بذات التماسك وذات التوازن وذات الطمأنينة . ويعلن هذه كما يعلن تلك , لا يكتم من هذه شيئا ولا تلك . . وهو هو في كلتا الحالتين النبي الكريم . والعبد الطائع . والمبلغ الأمين .

إن حقيقة هذه النفس من حقيقة هذه الرسالة . وإن عظمة هذه النفس من عظمة هذه الرسالة . وإن الحقيقة المحمدية كالحقيقة الإسلامية لأبعد من مدى أي مجهر يملكه بشر . وقصارى ما يملكه راصد لعظمة هذه الحقيقة المزدوجة أن يراها ولا يحدد مداها . وأن يشير إلى مسارها الكوني دون أن يحدد هذا المسار !

ومرة أخرى أجد نفسي مشدودا للوقوف إلى جوار الدلالة الضخمة لتلقي رسول الله [ ص ] لهذه الكلمة من ربه , وهو ثابت راسخ متوازن مطمئن الكيان . . لقد كان - وهو بشر - يثني على أحد أصحابه , فيهتزكيان صاحبه هذا وأصحابه من وقع هذا الثناء العظيم . . وهو بشر وصاحبه يعلم أنه بشر . وأصحابه يدركون أنه بشر . إنه نبي نعم . ولكن في الدائرة المعلومة الحدود . دائرة البشرية ذات الحدود . . فأما هو فيتلقى هذه الكلمة من الله . وهو يعلم من هو الله . هو بخاصة يعلم من هو الله ! هو يعلم منه ما لا يعلمه سواه . ثم يصطبر ويتماسك ويتلقى ويسير . . . إنه أمر فوق كل تصور وفوق كل تقدير !!!

إنه محمد - وحده - هو الذي يرقى إلى هذا الأفق من العظمة . . إنه محمد - وحده - هو الذي يبلغ قمة الكمال الإنساني المجانس لنفخة الله في الكيان الإنساني . إنه محمد - وحده - هو الذي يكافئ هذه الرسالة الكونية العالمية الإنسانية ; حتى لتتمثل في شخصه حية , تمشي على الأرض في إهاب إنسان . . إنه محمد - وحده الذي علم الله منه أنه أهل لهذا المقام . والله أعلم حيث يجعل رسالته - وأعلن في هذه أنه على خلق عظيم . وأعلن في الأخرى أنه - جل شأنه وتقدست ذاته وصفاته , يصلي عليه هو وملائكته (إن الله وملائكته يصلون على النبي). وهو - جل شأنه - وحده القادر على أن يهب عبدا من عباده ذلك الفضل العظيم . .

ثم إن لهذه اللفتة دلالتها على تمجيد العنصر الأخلاقي في ميزان الله ; وأصالة هذا العنصر في الحقيقة الإسلامية كأصالة الحقيقة المحمدية .

والناظر في هذه العقيدة , كالناظر في سيرة رسولها , يجد العنصر الأخلاقي بارزا أصيلا فيها , تقوم عليه أصولها التشريعية وأصولها التهذيبية على السواء . . الدعوة الكبرى في هذه العقيدة إلى الطهارة والنظافة والأمانة والصدق والعدل والرحمة والبر وحفظ العهد , ومطابقة القول للفعل , ومطابقتهما معا للنية والضمير ; والنهي عن الجور والظلم والخداع والغش وأكل أموال الناس بالباطل , والاعتداء على الحرمات والأعراض , وإشاعة الفاحشة بأية صورة من الصور . . والتشريعات في هذه العقيدة لحماية هذه الأسس وصيانة العنصر الأخلاقي في الشعور والسلوك , وفي أعماق الضمير وفي واقع المجتمع . وفي العلاقات الفردية والجماعية والدولية على السواء .

والرسول الكريم يقول:" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " . . فيلخص رسالته في هذا الهدف النبيل . وتتوارد أحاديثه تترى في الحض على كل خلق كريم . وتقوم سيرته الشخصية مثالا حيا وصفحة نقية , وصورة رفيعة , تستحق من الله أن يقول عنها في كتابه الخالدSadوإنك لعلى خلق عظيم). . فيمجد بهذا الثناء نبيه [ ص ] كما يمجد به العنصر الأخلاقي في منهجه الذي جاء به هذا النبي الكريم , ويشد به الأرض إلى السماء , ويعلق به قلوب الراغبين إليه - سبحانه - وهو يدلهم على ما يحب ويرضى من الخلق القويم .

وهذا الاعتبار هو الاعتبار الفذ في أخلاقية الإسلام . فهي أخلاقية لم تنبع من البيئة , ولا من اعتبارات أرضية إطلاقا ; وهي لا تستمد ولا تعتمد على اعتبار من اعتبارات العرف أو المصلحة أو الارتباطات التي كانت قائمة في الجيل . إنما تستمد من السماء وتعتمد على السماء . تستمد من هتاف السماء للأرض لكي تتطلع إلى الأفق . وتستمد من صفات الله المطلقة ليحققها البشر في حدود الطاقة , كي يحققوا إنسانيتهم العليا , وكي يصبحوا أهلا لتكريم الله لهم واستخلافهم في الأرض ; وكي يتأهلوا للحياة الرفيعة الأخرىSadفي مقعد صدق عند مليك مقتدر). . ومن ثم فهي غير مقيدة ولا محدودة بحدود من أي اعتبارات قائمة في الأرض ; إنما هي طليقة ترتفع إلى أقصى ما يطيقه البشر , لأنها تتطلع إلى تحقيق صفات الله الطليقة من كل حد ومن كل قيد .

ثم إنها ليست فضائل مفردة:صدق . وأمانة . وعدل . ورحمة . وبر . . . . إنما هي منهج متكامل , تتعاونفيه التربية التهذيبية مع الشرائع التنظيمية ; وتقوم عليه فكرة الحياة كلها واتجاهاتها جميعا , وتنتهي في خاتمة المطاف إلى الله . لا إلى أي اعتبار آخر من اعتبارات هذه الحياة !

وقد تمثلت هذه الأخلاقيه الإسلامية بكمالها وجمالها وتوازنها واستقامتها واطرادها وثباتها في محمد [ ص ] وتمثلت في ثناء الله العظيم , وقولهSadوإنك لعلى خلق عظيم). .

الدرس الثالث:5 - 7 تهديد الكفار بفضحهم

وبعد هذا الثناء الكريم على عبده يطمئنه إلى غده مع المشركين , الذين رموه بذلك البهت اللئيم ; ويهددهم بافتضاح أمرهم وانكشاف بطلانهم وضلالهم المبين:

(فستبصر ويبصرون . بأيكم المفتون . إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين). .

والمفتون الذي يطمئن الله نبيه إلى كشفه وتعيينه هو الضال . أو هو الممتحن الذي يكشف الامتحان عن حقيقته . وكلا المدلولين قريب من قريب . . وهذا الوعد فيه من الطمأنينة لرسول الله [ ص ] وللمؤمنين معه , بقدر ما فيه من التهديد للمناوئين له المفترين عليه . . أيا كان مدلول الجنون الذي رموه به . والأقرب إلى الظن أنهم لم يكونوا يقصدون به ذهاب العقل . فالواقع يكذب هذا القول . إنما كانوا يعنون به مخالطة الجنة له , وإيحاءهم إليه بهذا القول الغريب البديع - كما كانوا يظنون أن لكل شاعر شيطانا هو الذي يمده ببديع القول ! - وهو مدلول بعيد عن حقيقة حال النبي [ ص ] وغريب عن طبيعة ما يوحى إليه من القول الثابت الصادق المستقيم .

وهذا الوعد من الله يشير إلى أن الغد سيكشف عن حقيقة النبي وحقيقة مكذبيه . ويثبت أيهم الممتحن بما هو فيه ; أو أيهم الضال فيما يدعيه . ويطمئنه إلى أن ربه (هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين). . وربه هو الذي أوحى إليه , فهو يعلم أنه المهتدي ومن معه . وفي هذا ما يطمئنه وما يقلق أعداءه , وما يبعث في قلوبهم التوجس والقلق لما سيجيء !

الدرس الرابع:8 - 9 عدم طاعة الكفار وعدم الإستجابة لمداهنتهم

ثم يكشف الله له عن حقيقة حالهم , وحقيقة مشاعرهم , وهم يخاصمونه ويجادلونه في الحق الذي معه , ويرمونه بما يرمونه , وهم مزعزعو العقيدة فيما لديهم من تصورات الجاهلية , التي يتظاهرون بالتصميم عليها . إنهم على استعداد للتخلي عن الكثير منها في مقابل أن يتخلى هو عن بعض ما يدعوهم إليه ! على استعداد أن يدهنوا ويلينوا يحافظوا فقط على ظاهر الأمر لكي يدهن هو لهم ويلين . . فهم ليسوا أصحاب عقيدة يؤمنون بأنها الحق , وإنما هم أصحاب ظواهر يهمهم أن يستروها:

(فلا تطع المكذبين . ودوا لو تدهن فيدهنون). .

فهي المساومة إذن , والالتقاء في منتصف الطريق . كما يفعلون في التجارة . وفرق بين الاعتقاد والتجارة كبير ! فصاحب العقيدة لا يتخلى عن شيء منها ; لأن الصغير منها كالكبير . بل ليس في العقيدة صغير وكبير . إنها حقيقة واحدة متكاملة الأجزاء . لا يطيع فيها صاحبها أحدا , ولا يتخلى عن شيء منها أبدا .

وما كان يمكن أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق , ولا أن يلتقيا في أي طريق . وذلك حال الإسلام مع الجاهلية في كل زمان ومكان . جاهلية الأمس وجاهلية اليوم , وجاهلية الغد كلها سواء . إن الهوة

من الاية 8 الى الاية 9

فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (Cool وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)

بينها وبين الإسلام لا تعبر , ولا تقام عليها قنطرة , ولا تقبل قسمة ولا صلة . وإنما هو النضال الكامل الذي يستحيل فيه التوفيق !

وقد وردت روايات شتى فيما كان يدهن به المشركون للنبي [ ص ] ليدهن لهم ويلين ; ويترك سب آلهتهم وتسفيه عبادتهم , أو يتابعهم في شيء مما هم عليه ليتابعوه في دينه , وهم حافظون ماء وجوههم أمام جماهير العرب ! على عادة المساومين الباحثين عن أنصاف الحلول ! ولكن الرسول [ ص ] كان حاسما في موقفه من دينه , لا يدهن فيه ولا يلين . وهو فيما عدا الدين ألين الخلق جانبا وأحسنهم معاملة وأبرهم بعشيرة وأحرصهم على اليسر والتيسير . فأما الدين فهو الدين ! وهو فيه عند توجيه ربهSadفلا تطع المكذبين)!

ولم يساوم [ ص ] في دينه وهو في أحرج المواقف العصيبة في مكة . وهو محاصر بدعوته . وأصحابه القلائل يتخطفون ويعذبون ويؤذون في الله أشد الإيذاء وهم صابرون . ولم يسكت عن كلمة واحدة ينبغي أن تقال في وجوه الأقوياء المتجبرين , تأليفا لقلوبهم , أو دفعا لأذاهم . ولم يسكت كذلك عن إيضاح حقيقة تمس العقيدة من قريب أو من بعيد . .

روى ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق قال:

" فلما بادى رسول الله [ ص ] قومه بالإسلام . وصدع به كما أمره الله , لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها . فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه , وأجمعوا خلافه وعداوته - إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون - وحدب على رسول الله [ ص ] عمه أبو طالب ومنعه , وقام دونه , ومضى رسول الله [ ص ] على أمر الله مظهرا لأمره , لا يرده عنه شيء . "

" فلما رأت قريش أن رسول الله [ ص ] لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم , ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم , مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب . . عتبة وشيبة ابنا ربيعة , وأبو سفيان بن حرب بن أمية . وأبو البختري واسمه العاص بن هشام . والأسود بن عبد المطلب بن أسد . وأبو جهل "واسمه عمرو بن هشام وكان يكنى ابا الحكم" والوليد بن المغيرة , ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر . . أو من مشى منهم . . فقالوا:يا أبا طالب . إن ابن أخيك قد سب آلهتنا , وعاب ديننا , وسفه أحلامنا , وضلل آباءنا , فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه , فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه ; فنكفيكه ! فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا , وردهم ردا جميلا , فانصرفوا عنه .

" " ومضى رسول الله [ ص ] على ما هو عليه:يظهر دين الله , ويدعو إليه . ثم شري الأمر بينه وبينهم حتى تباعدوا وتضاغنوا , وأكثرت قريش ذكر رسول الله [ ص ] وتذامروا فيه . وحض بعضهم بعضا عليه . ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى . فقالوا له:يا أبا طالب , إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا . وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ; وإنا والله لا نصبر على هذا:من شتم آبائنا , وتسفيه أحلامنا , وعيب آلهتنا , حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين - أو كما قالواله . . ثم انصرفوا عنه . فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم , ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله [ ص ] لهم ولا خذلانه . قال ابن إسحق:وحدثني يعقوب بن عقبة بن المغيرة بن الأخنس , أنه حدث , أن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله [ ص ] فقال له:يا بن أخي . إن قومك قد جاءوني فقالوا لي:كذا وكذا "للذي كانوا قالوا له" فأبق علي وعلى نفسك , ولا تحملني من الأمر مالا أطيق . قال:فظن رسول الله [ ص ] أنه قد بدا لعمه فيه بداء , وأنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه . قال:فقال رسول الله [ ص ]:" يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته " . . قال:واستعبر رسول الله [ ص ] فبكى . ثم قام . فلما ولى ناداه أبو طالب فقال:أقبل يا بن أخي . قال:فأقبل عليه رسول الله [ ص ] فقال:اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت , فوالله لا أسلمك لشيء أبدا " .

فهذه صورة من إصرار النبي [ ص ] على دعوته في اللحظة التي تخلى عنه فيها عمه . حاميه وكافيه , وآخر حصن من حصون الأرض يمنعه المتربصين به المتذامرين فيه !

هذه هي صورة قوية رائعة جديدة في نوعها من حيث حقيقتها , ومن حيث صورها وظلالها ومن حيث عباراتها وألفاظها . . . جديدة جدة هذه العقيدة , رائعة روعة هذه العقيدة , قوية قوة هذه العقيدة . فيها مصداق قول الله العظيمSadوإنك لعلى خلق عظيم).

وصورة أخرى رواها كذلك ابن إسحق , كانت في مساومة مباشرة من المشركين لرسول الله [ ص ] بعد إذ أعياهم أمره , ووثبت كل قبيلة على من أسلم منها تعذبه وتفتنه عن دينه .

قال ابن إسحق:وحدثني يزيد بن زياد , عن محمد بن كعب القرظي , قال:حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا , قال يوما وهو جالس في نادي قريش , ورسول الله [ ص ] جالس في المسجد وحده:يا معشر قريش . ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا ? وذلك حين أسلم حمزة , ورأوا أصحاب رسول الله [ ص ] يزيدون ويكثرون . فقالوا:يا أبا الوليد قم إليه فكلمه . فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله [ ص ] فقال:يا بن أخي . إنك منا حيث علمت:من السطة في العشيرة والمكان في النسب , وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم , فرقت به جماعتهم , وسفهت به أحلامهم , وعبت به آلهتهم ودينهم , وكفرت به من مضى من آبائهم . فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها , لعلك تقبل منها بعضها . قال:فقال له رسول الله [ ص ]:" قل يا أبا الوليد أسمع " . . قال:يا بن أخي . إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا . وإن كنت إنما تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك . وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا , وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه , فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه ! - أو كما قال له - حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله [ ص ] يستمع منه قال:" أقد فرغت يا أبا الوليد ? " قال:نعم . قال:" فاستمع مني " . قال:أفعل . فقال: بسم الله الرحمن الرحيم . حم . تنزيل من الرحمن

من الاية 10 الى الاية 15

وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15)

الرحيم . كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون . بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون . وقالوا:قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه , وفي آذاننا وقر , ومن بيننا وبينك حجاب , فاعمل إننا عاملون . قل:إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين . . .)ثم مضى رسول الله [ ص ] فيها يقرؤها عليه . فلما سمعها منه عتبة أنصت لها , وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليها يسمع منه . ثم انتهى رسول الله [ ص ] إلى السجدة منها فسجد . ثم قال . " قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت . فأنت وذاك " . . فقام عتبة إلى أصحابه , فقال بعضهم لبعض:نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به . فلما جلس إليهم قالوا:ما وراءك يا أبا الوليد ? قال:ورائي أنني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط , والله ما هو بالشعر , ولا بالسحر , ولا بالكهانة , يا معشر قريش أطيعوني , واجعلوها بي , وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه , فاعتزلوه , فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم . فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم . وإن يظهر على العرب فملكه ملككم , وعزه عزكم , وكنتم أسعد الناس به . قالوا:سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه . قال:هذا رأيي فيه , فاصنعوا ما بدا لكم . .

وفي رواية أخرى أن عتبة استمع حتى جاء الرسول [ ص ] إلى قوله تعالىSadفإن أعرضوا فقل:أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود). . فقام مذعورا فوضع يده على فم رسول الله [ ص ] يقول:أنشدك الله والرحم يا محمد ! وذلك مخافة أن يقع النذير . وقام إلى القوم فقال ما قال !

وعلى أية حال فهذه صورة أخرى من صور المساومة . وهي كذلك صورة من صور الخلق العظيم . تبدو في أدبه [ ص ] وهو يستمع إلى عتبة حتى يفرغ من قوله الفارغ الذي لا يستحق الانتباه من مثل محمد [ ص ] في تصوره لقيم هذا الكون , وفي ميزانه للحق ولعرض هذه الأرض . ولكن خلقه يمسك به لا يقاطع ولا يتعجل ولا يغضب ولا يضجر , حتى يفرغ الرجل من مقالته , وهو مقبل عليه . ثم يقول في هدوء:" أقد فرغت يا أبا الوليد ? " زيادة في الإملاء والتوكيد . إنها الطمأنينة الصادقة للحق مع الأدب الرفيع في الاستماع والحديث . . وهما معا بعض دلالة الخلق العظيم .

وصورة ثالثة للمساومة فيما رواه ابن اسحق قال:

" واعترض رسول الله [ ص ] وهو يطوف بالكعبة - فيما بلغني - الأسود بن المطلب بن أسد ابن عبد العزى والوليد بن المغيرة , وأمية بن خلف , والعاص بن وائل السهمي . وكانوا ذوي أسنان في قومهم . فقالوا:يا محمد , هلم فلنعبد ما تعبد , وتعبد ما نعبد , فنشترك نحن وأنت في الأمر . فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه , وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه ! فأنزل الله تعالى فيهمSadقل:يا أيها الكافرون . لا أعبد ما تعبدون):السورة كلها . .

وحسم الله المساومة المضحكة بهذه المفاصلة الجازمة . وقال لهم الرسول [ ص ] ما أمره ربه أن يقول . . .

الدرس الخامس:10 - 16 صفات مرذولة للكفار ممثلة في أحدهم وتهديده

ثم يبرز قيمة العنصر الأخلاقي مرة أخرى في نهي الرسول [ ص ] عن إطاعة أحد هؤلاء المكذبين بالذات , ويصفه بصفاته المزرية المنفرة , ويتوعده بالإذلال والمهانة:

(ولا تطع كل حلاف مهين . هماز مشاء بنميم . مناع للخير معتد أثيم . عتل بعد ذلك زنيم . أن كان ذا مال)(وبنين . إذا تتلى عليه آياتنا قال:أساطير الأولين . سنسمه على الخرطوم). .

وقد قيل:إنه الوليد بن المغيرة , وإنه هو الذي نزلت فيه كذلك آيات من سورة المدثرSadذرني ومن خلقت وحيدا , وجعلت له مالا ممدودا , وبنين شهودا , ومهدت له تمهيدا . ثم يطمع أن أزيد . كلا !! إنه كان لآياتنا عنيدا . سأرهقه صعودا . إنه فكر وقدر . فقتل ! كيف قدر ? ثم قتل ! كيف قدر ? ثم نظر . ثم عبس وبسر . ثم أدبر واستكبر . فقال:إن هذا إلا سحر يؤثر . إن هذا إلا قول البشر . سأصليه سقر). .

ورويت عنه مواقف كثيرة في الكيد لرسول الله [ ص ] وإنذار أصحابه , والوقوف في وجه الدعوة , والصد عن سبيل الله . . كما قيل:إن آيات سورة القلم نزلت في الأخنس بن شريق . . وكلاهما كان ممن خاصموا رسول الله [ ص ] ولجوا في حربه والتأليب عليه أمدا طويلا .

وهذه الحملة القرآنية العنيفة في هذه السورة , والتهديدات القاصمة في السورة الأخرى , وفي سواها , شاهد على شدة دوره سواء كان هو الوليد أو الأخنس والأول أرجح , في حرب الرسول والدعوة , كما هي شاهد على سوء طويته , وفساد نفسه , وخلوها من الخير .

والقرآن يصفه هنا بتسع صفات كلها ذميم . . .

فهو حلاف . . كثير الحلف . ولا يكثر الحلف إلا إنسان غير صادق , يدرك أن الناس يكذبونه ولا يثقون به , فيحلف ويكثر من الحلف ليداري كذبه , ويستجلب ثقة الناس .

وهو مهين . . لا يحترم نفسه , ولا يحترم الناس قوله . وآية مهانته حاجته إلى الحلف , وعدم ثقته بنفسه وعدم ثقة الناس به . ولو كان ذا مال وذا بنين وذا جاه . فالمهانة صفة نفسية تلصق بالمرء ولو كان سلطانا طاغية جبارا . والعزة صفة نفسية لا تفارق النفس الكريمة ولو تجردت من كل أعراض الحياة الدنيا !

وهو هماز . . يهمز الناس ويعيبهم بالقول والإشارة في حضورهم أو في غيبتهم سواء . وخلق الهمز يكرهه الإسلام أشد الكراهية ; فهو يخالف المروءة , ويخالف أدب النفس , ويخالف الأدب في معاملة الناس وحفظ كراماتهم صغروا أم كبروا . وقد تكرر ذم هذا الخلق في القرآن في غير موضع ; فقالSadويل لكل همزة لمزة). . وقال: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن . ولا تلمزوا أنفسكم . ولا تنابزوا بالألقاب)وكلها أنواع من الهمز في صورة من الصور . .

وهو مشاء بنميم . يمشي بين الناس بما يفسد قلوبهم , ويقطع صلاتهم , ويذهب بموداتهم . وهو خلق ذميم كما أنه خلق مهين , لا يتصف به ولا يقدم عليه إنسان يحترم نفسه أو يرجو لنفسه احتراما عند الآخرين . حتى أولئك الذين يفتحون آذانهم للنمام , ناقل الكلام , المشاء بالسوء بين الأوداء . حتى هؤلاء الذين يفتحون آذانهم له لا يحترمونه في قرارة نفوسهم ولا يودونه .

ولقد كان رسول الله [ ص ] ينهى أن ينقل إليه أحد ما يغير قلبه على صاحب من أصحابه . وكان يقول:" لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر " .

وثبت في الصحيحين من حديث مجاهد عن طاووس عن ابن عباس قال:مر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - بقبرين , فقال:" إنهما ليعذبان , وما يعذبان في كبير . أما أحدهما فكان لا يستتر من البول , وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة " .

وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن حذيفة قال:سمعت رسول الله [ ص ] يقول:" لا يدخل الجنة قتات " أي نمام [ ورواه الجماعة إلا ابن ماجه ] .

وروى الإمام أحمد كذلك - بإسناده - عن يزيد بن السكن . أن النبي [ ص ] قال:" ألا أخبركم بخياركم ? " قالوا:بلى يا رسول الله . قال:" الذين إذا رؤوا ذكر الله عز وجل " ثم قال:" ألا أخبركم بشراركم ? المشاءون بالنميمة المفسدون بين الأحبة , الباغون للبرآء العيب " .

ولم يكن بد للإسلام أن يشدد في النهي عن هذا الخلق الذميم الوضيع , الذي يفسد القلب , كما يفسد الصحب , ويتدنى بالقائل قبل أن يفسد بين الجماعة , ويأكل قلبه وخلقه قبل أن يأكل سلامة المجتمع , ويفقد الناس الثقة بعضهم ببعض , ويجني على الأبرياء في معظم الأحايين !

وهو مناع للخير . . يمنع الخير عن نفسه وعن غيره . ولقد كان يمنع الإيمان وهو جماع الخير . وعرف عنه أنه كان يقول لأولاده وعشيرته , كلما آنس منهم ميلا إلى النبي [ ص ]:لئن تبع دين محمد منكم أحد لا أنفعه بشيء أبدا . فكان يمنعهم بهذا التهديد عن الإسلام . ومن ثم سجل القرآن عليه هذه الصفة (مناع للخير)فيما كان يفعل ويقول .

وهو معتد . . متجاوز للحق والعدل إطلاقا . ثم هو معتد على النبي [ ص ] وعلى المسلمين وعلى أهله وعشيرته الذين يصدهم عن الهدى ويمنعهم من الدين . . والاعتداء صفة ذميمة تنال من عناية القرآن والحديث اهتماما كبيرا . . وينهى عنها الإسلام في كل صورة من صورها , حتى في الطعام والشراب:" كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه " . . لأن العدل والاعتدال طابع الإسلام الأصيل .

وهو أثيم . . يرتكب المعاصي حتى يحق عليه الوصف الثابت .(أثيم). . بدون تحديد لنوع الآثام التي يرتكبها . فاتجاه التعبير إلى إثبات الصفة , وإلصاقها بالنفس كالطبع المقيم !

وهو بعد هذا كله(عتل). . وهي لفظة تعبر بجرسها وظلها عن مجموعة من الصفات ومجموعة من السمات , لا تبلغها مجموعة ألفاظ وصفات . فقد يقال:إن العتل هو الغليظ الجافي . وإنه الأكول الشروب . وإنه الشره المنوع . وإنه الفظ في طبعه , اللئيم في نفسه , السيء في معاملته . . وعن أبي الدرداء رضي الله عنه:" العتل كل رغيب الجوف , وثيق الخلق , أكول شروب , جموع للمال , منوع له " . . ولكن تبقى كلمة(عتل)بذاتها أدل على كل هذا , وأبلغ تصويرا للشخصية الكريهة من جميع الوجوه .

وهو زنيم . . وهذه خاتمة الصفات الذميمة الكريهة المتجمعة في عدو من أعداء الإسلام - وما يعادي الإسلام ويصر على عداوته إلا أناس من هذا الطراز الذميم - والزنيم من معانيه اللصيق في القوم لا نسب له فيهم , أو أن نسبه فيهم ظنين . ومن معانيه , الذي اشتهر وعرف بين الناس بلؤمه وخبثه وكثرة شروره . والمعنى الثاني هو الأقرب في حالة الوليد بن المغيرة . وإن كان إطلاق اللفظ يدمغه بصفة تدعه مهينا في القوم , وهو المختال الفخور .

ثم يعقب على هذه الصفات الذاتيه بموقفه من آيات الله , مع التشنيع بهذا الموقف الذي يجزي به نعمة الله عليه بالمال والبنين:

(أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال:أساطير الأولين). .

وما أقبح ما يجزي إنسان نعمة الله عليه بالمال والبنين ; استهزاء بآياته , وسخرية من رسوله , واعتداء على دينه . . وهذه وحدها تعدل كل ما مر من وصف ذميم .

كمال العطار
كمال العطار
مدير المنتدي
مدير المنتدي

عدد المساهمات : 5682
تاريخ التسجيل : 11/05/2011

https://reydalsalhen.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى