منتدي رياض الصالحين
اهلا وسهلا بكل السادة الزوار ونرحب بكم بمنتديات رياض الصالحين ويشرفنا ويسعدنا انضمامكم لاسرة المنتدي

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

منتدي رياض الصالحين
اهلا وسهلا بكل السادة الزوار ونرحب بكم بمنتديات رياض الصالحين ويشرفنا ويسعدنا انضمامكم لاسرة المنتدي
منتدي رياض الصالحين
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

تفسير سورة الزمر ايه رقم 1 الى ايه 20 الشيخ سيد قطب

اذهب الى الأسفل

تفسير سورة الزمر ايه رقم 1 الى ايه 20 الشيخ سيد قطب Empty تفسير سورة الزمر ايه رقم 1 الى ايه 20 الشيخ سيد قطب

مُساهمة  كمال العطار الأربعاء يونيو 13, 2012 4:50 am

من الاية 1 الى الاية 1

تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)

الوحدة الأولى:1 - 7 الموضوع إثبات الوحي والرسالة وأدلة على الوحدانية مقدمة سورة الزمر

هذه السورة تكاد تكون مقصورة على علاج قضية التوحيد . وهي تطوف بالقلب البشري في جولات متعاقبة ; وتوقع على أوتاره إيقاعات متلاحقة ; وتهزه هزاً عميقاً متواصلاً لتطبع فيه حقيقة التوحيد وتمكنها , وتنفي عنه كل شبهة وكل ظل يشوب هذه الحقيقة . ومن ثم فهي ذات موضوع واحد متصل من بدئها إلى ختامها ; يعرض في صور شتى .

ومنذ افتتاح السورة تبرز هذه القضية الواحدة التي تكاد السورة تقتصر على علاجها: تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم . إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين . ألا لله الدين الخالص . . . الخ. . . وتتردد في مقاطعها على فترات متقاربة فيها إما نصاً . وإما مفهوماً . .

نصاً كقوله: قل:إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين . وأمرت لأن أكون أول المسلمين . قل:إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . قل:الله أعبد مخلصاً له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه . . . الخ. . أو قولهSadقل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ? ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين).

ومفهوماً كقولهSadضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون , ورجلا سلما لرجل . هل يستويان مثلاً:الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون). . أو قولهSadأليس الله بكاف عبده ? ويخوفونك بالذين من دونه , ومن يضلل الله فما له من هاد , ومن يهد الله فما له من مضل . أليس الله بعزيز ذي انتقام ?). .

وإلى جانب حقيقة التوحيد التي تعالج السورة أن تطبعها في القلب وتمكنها نجد في السورة توجيهات وإيحاءات لإيقاظ هذا القلب واستجاشته وإثارة حساسيته , وإرهافه للتلقي والتأثر والاستجابة . ذلك كقوله: والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى . فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه , أولئك الذين هداهم الله , وأولئك هم أولوا الألباب . .(الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم , ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله:ذلك هدى الله يهدي به من يشاء . ومن يضلل الله فما له من هاد). .(وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه , ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل . وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله . قل:تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار). .

وهناك ظاهرة ملحوظة في جو السورة . . إن ظل الآخرة يجللها من أولها إلى آخرها . وسياقها يطوّف بالقلب البشري هناك في كل شوط من أشواطها القصيرة ; ويعيش به في ظلال العالم الآخر معظم الوقت ! وهذا هو مجال العرض الأول فيها والمؤثر البارز المتكرر في ثناياها . ومن ثم تتلاحق فيها مشاهد القيامة أو الإشارة إليها في كل مقطع من مقاطعها الكثيرة . مثل هذه الإشارات: (أم من هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ?). .(قل:إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم). .(أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ?). . (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ?). . (ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون). . (أليس في جهنم مثوى للكافرين ?). . (ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة ; وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون). . (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون . واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغته وأنتم لا تشعرون . أن تقول نفس:يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين . أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين . أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين . .). . وهذا غير المشاهد الكاملة التي تشغل حيزاً من السورة كبيراً , وتظلل جوها بظلال الآخرة .

أما المشاهد الكونية التي لاحظنا كثرتها وتنوعها في السور المكية في ثنايا عرضها لحقائق العقيدة فهي قليلة في هذه السورة . .

هنالك مشهد كوني يرد في مطلعهاSadخلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل , وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى . ألا هو العزيز الغفار). .

ومشهد آخر في وسطها: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ; ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه ; ثم يهيج فتراه مصفراً ; ثم يجعله حطاماً ? إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب). .

وهناك إشارات سريعة إلى خلق السماوات والأرض غير هذين المشهدين البارزين .

كذلك تتضمن السورة لمسات من واقع حياة البشر , وفي أغوار نفوسهم , تتوزع في ثناياها .

يرد في مطالعها عن نشأة البشرية: (خلقكم من نفس واحدة ; ثم جعل منها زوجها . وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج . يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث . ذلكم الله ربكم له الملك . لا إله إلا هو , فأنى تصرفون ?).

ويرد عن طبيعة النفس البشرية في الضراء والسراء: وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه ; ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل . . . الخ. . (فإذا مس الإنسان ضر دعانا ; ثم إذا خولناه نعمة منا قال:إنما اوتيته على علم بل هي فتنة . .). .

ويرد في تصوير أنفس البشر في قبضة الله في كل حالة: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ; فيمسك التي قضى عليها الموت , ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى . إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون). .

ولكن ظل الآخرة وجوها يظل مسيطراً على السورة كلها كما أسلفنا . حتى تختم بمشهد خاشع يرسم ظل ذلك اليوم وجوهSadوترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم , وقضي بينهم بالحق , وقيل:الحمد لله رب العالمين).

هذا الظل يتناسق مع جو السورة , ولون اللمسات التي تأخذ القلب البشري بها . فهي أقرب إلى جو الخشية والخوف والفزع والارتعاش . ومن ثم نجد الحالات التي ترسمها للقلب البشري هي حالات ارتعاشه وانتفاضه وخشيته . نجد هذا في صورة القانت(آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه). وفي صورة الذين يخشون ربهم تقشعر جلودهم لهذا القرآن ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله . كما نجده في التوجيه إلى التقوى والخوف من العذاب , والتخويف منه: (قل:يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم).(قل:إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم). .(لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل . ذلك يخوف الله به عباده . يا عباد فاتقون). . ثم نجده في مشاهد القيامة وما فيها من فزع ومن خشية , وما فيها كذلك من إنابة وخشوع .

الدرس الأول:1 - 5 إثبات الرسالة والأمر بالعبادة والتوحيد وأدلة على الوحدانية

والسورة تعالج الموضوع الواحد الرئيسي فيها في جولات قصيرة متتابعة ; تكاد كل جولة منها تختم بمشهد من مشاهد القيامة , أو ظل من ظلالها . وسنحاول أن نستعرض هذه الجولات المتتابعة كما وردت في السياق . إذ أنه يصعب تقسيم السورة إلى دروس كبيرة . وكل مجموعة قليلة من آياتها تصلح حلقة تعرض في موضعها . ومجموع هذه الحلقات يتناول حقيقة واحدة . حقيقة التوحيد الكبيرة . .

(تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم . إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق , فاعبد الله مخلصاً له الدين . ألا لله الدين الخالص , والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى . إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون . إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار).

تبدأ السورة بهذا التقرير الحاسم .
من الاية 2 الى الاية 2

إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ (2)

(تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم). .

العزيز القادر على تنزيله .

الحكيم الذي يعلم فيم أنزله ولماذا أنزله ; ويفعل ذلك بحكمة وتقدير وتدبير .

ولا يتلبث السياق عند هذه الحقيقة طويلاً ; فهي مقدمة للقضية الأصيلة التي تكاد السورة تكون وقفاً عليها ; والتي نزل الكتاب لتقريرها وتوكيدها . قضية توحيد الله , وإفراده بالعبادة , وإخلاص الدين له , وتنزيهه عن الشرك في كل صورة من صوره ; والاتجاه إليه مباشرة بلا وسيط ولا شفيع:

(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق).

وأساس الحق الذي أنزل به الكتاب , هو الوحدانية المطلقة التي يقوم عليها الوجود . وفي الآية الخامسة من السورة يجيء: (خلق السماوات والأرض بالحق). فهو الحق الواحد الذي قامت به السماوات والأرض , وأنزل به هذا الكتاب . الحق الواحد الذي تشهد به وحدة النظام الذي يصرف السماوات والأرض ; والذي ينطق به هذا الكتاب . الحق الذي يتسم به كل ما خرج من يد الصانع المبدع في هذا الوجود . .

(فاعبد الله مخلصاً له الدين).

والخطاب لرسول الله [ ص ] الذي أنزل إليه الكتاب بالحق . وهو منهجه الذي يدعو إليه الناس كافة . . عبادة الله وحده , وإخلاص الدين له , وقيام الحياة كلها على أساس هذا التوحيد .

وتوحيد الله وإخلاص الدين له , ليس كلمة تقال باللسان ; إنما هو منهاج حياة كامل . يبدأ من تصور واعتقاد في الضمير ; وينتهي إلى نظام يشمل حياة الفرد والجماعة .

والقلب الذي يوحد الله , يدين لله وحده , ولا يحني هامته لأحد سواه , ولا يطلب شيئاً من غيره ولا يعتمد على أحد من خلقه . فالله وحده هو القوي عنده , وهو القاهر فوق عباده . والعباد كلهم ضعاف مهازيل , لا يملكون له نفعاً ولا ضراً ; فلا حاجة به إلى أن يحني هامته لواحد منهم . وهم مثله لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً . والله وحده هو المانح المانع , فلا حاجة به إلى أن يتوجه لأحد غيره وهو الغني والخلق كلهم فقراء .

والقلب الذي يوحد الله , يؤمن بوحدة الناموس الإلهي الذي يصرف الوجود كله ; ويؤمن إذن بأن النظام الذي اختاره الله للبشر هو طرف من ذلك الناموس الواحد , لا تصلح حياة البشر ولا تستقيم مع الكون الذي يعيشون فيه إلا باتباعه . ومن ثم لا يختار غير ما اختاره الله من النظم , ولا يتبع إلا شريعة الله المتسقة مع نظام الوجود كله ونظام الحياة .

والقلب الذي يوحد الله يدرك القرابة بينه وبين كل ما أبدعت يد الله في هذا الكون من أشياء وأحياء ; ويحيا في كون صديق يعاطفه ويتجاوب معه ; ويحس يد الله في كل ما حوله , فيعيش في أنس بالله وبدائعه التي تلمسها يداه وتقع عليها عيناه . ويشعر كذلك بالتحرج من إيذاء أحد , أو إتلاف شيء أو التصرف في أحد أو في شيء إلا بما أمره الله . خالق كل شيء , ومحيي كل حي . ربه ورب كل شيء وكل حي . .

وكذلك تبدو آثار التوحيد في التصورات والمشاعر , كما تبدو في السلوك والتصرفات . وترسم للحياة كلها منهاجاً كاملاً واضحاً متميزاً . ولا يعود التوحيد كلمة تقال باللسان . ومن ثم تلك العناية بتقرير عقيدة التوحيد وتوضيحها وتكرار الحديث عنها في الكتاب الذي أنزله الله:وهو حديث يحتاج إلى تدبره كل أحد , في كل عصر , وفي كل بيئة . فالتوحيد بمعناه ذلك معنى ضخم شامل يحتاج إلى فهم وإدراك .

من الاية 3 الى الاية 4

أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4)

(ألا لله الدين الخالص). .

يعلنها هكذا مدوية عالية في ذلك التعبير المجلجل . بأداة الافتتاح(ألا)وفي أسلوب القصر (لله الدين الخالص). فيؤكد معناها بالبناء اللفظي للعبارة . . فهي القاعدة التي تقوم عليها الحياة كلها . بل التي يقوم عليها الوجود كله . ومن ثم ينبغي أن ترسخ وتتضح وتعلن في هذا الأسلوب الجازم الحاسم: (ألا لله الدين الخالص). .

ثم يعالج الأسطورة المعقدة التي كان المشركون يواجهون بها دعوة التوحيد .

والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى . إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون . إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار . .

فلقد كانوا يعلنون أن الله خالقهم وخالق السماوات والأرض . . ولكنهم لم يكونوا يسيرون مع منطق الفطرة في إفراد الخالق إذن بالعبادة , وفي إخلاص الدين لله بلا شريك . إنما كانوا يبتدعون أسطورة بنوة الملائكة لله سبحانه . ثم يصوغون للملائكة تماثيل يعبدونها فيها . ثم يزعمون أن عبادتهم لتماثيل الملائكة - وهي التي دعوها آلهة أمثال اللات والعزى ومناة - ليست عبادة لها في ذاتها ; إنما هي زلفى وقربى لله . كي تشفع لهم عنده , وتقربهم منه !

وهو انحراف عن بساطة الفطرة واستقامتها , إلى هذا التعقيد والتخريف . فلا الملائكة بنات الله . ولا الأصنام تماثيل للملائكة . ولا الله - سبحانه - يرضى بهذا الانحراف . ولا هو يقبل فيهم شفاعة . ولا هو يقربهم إليه عن هذا الطريق !

وإن البشرية لتنحرف عن منطق الفطرة كلما انحرفت عن التوحيد الخالص البسيط الذي جاء به الإسلام وجاءت به العقيدة الإلهية الواحدة مع كل رسول . وإنا لنرى اليوم في كل مكان عبادة للقديسين والأولياء تشبه عبادة العرب الأولين للملائكة - أو تماثيل الملائكة - تقرباً إلى الله - بزعمهم - وطلباً لشفاعتهم عنده . وهو سبحانه يحدد الطريق إليه . طريق التوحيد الخالص الذي لا يتلبس بوساطة أو شفاعة على هذا النحو الأسطوري العجيب !

(إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار). .

فهم يكذبون على الله . يكذبون عليه بنسبة بنوة الملائكة إليه ; ويكذبون عليه بأن هذه العبادة تشفع لهم عنده ! وهم يكفرون بهذه العبادة ; ويخالفون فيها عن أمر الله الواضح الصريح .

والله لا يهدي من يكذب عليه , ويكفر به . فالهداية جزاء على التوجه والإخلاص والتحرج , والرغبة في الهدى , وتحري الطريق . فأما الذين يكذبون ويكفرون فهم لا يستحقون هداية الله ورعايته . وهم يختارون لأنفسهم البعد عن طريقه .

ثم يكشف عن سخف ذلك التصور وتهافته:

(لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء . سبحانه ! هو الله الواحد القهار).

وهو فرض جدلي لتصحيح التصور . فالله لو أراد أن يتخذ ولداً لاختار ما يشاء من بين خلقه ; فإرادته مطلقة غير مقيده . ولكنه - سبحانه - نزه نفسه عن اتخاذ الولد . فليس لأحد أن ينسب إليه ولداً , وهذه إرادته , وهذه مشيئته , وهذا تقديره ; وهذا تنزيهه لذاته عن الولد والشريك:

(سبحانه ! هو الله الواحد القهار). .

من الاية 5 الى الاية 5

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5)

وما اتخاذه الولد ? وهو مبدع كل شيء ; وخالق كل شيء , ومدبر كل شيء ? وكل شيء وكل أحد ملكه يفعل به ما يشاء:

(خلق السماوات والأرض بالحق , يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ; وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى . ألا هو العزيز الغفار). .

وهذه اللفتة إلى ملكوت السماوات والأرض , وإلى ظاهرة الليل والنهار , وإلى تسخير الشمس والقمر توحي إلى الفطرة بحقيقة الألوهية التي لا يليق معها أن يكون هناك ولد ولا شريك . فالذي يخلق هذا الخلق وينشئه إنشاء , لا يحتاج إلى الولد ولا يكون معه شريك .

وآية الوحدانية ظاهرة في طريقة خلق السماوات والأرض , وفي الناموس الذي يحكم الكون . والنظر المجرد إلى السماوات والأرض يوحي بوحدة الإرادة الخالقة المدبرة . وما كشفه الإنسان - حتى اليوم - من دلائل الوحدة فيه الكفاية . فقد اتضح أن الكون المعروف للبشر مؤلف كله من ذرات متحدة في ماهيتها , وأنها بدورها تتألف من إشعاعات ذات طبيعة واحدة . وقد اتضح كذلك أن جميع الذرات وجميع الأجرام التي تتألف منها سواء في ذلك الأرض التي نسكنها أم الكواكب والنجوم الأخرى في حركة دائمة , وأن هذه الحركة قانون ثابت لا يتخلف لا في الذرة الصغيرة ولا في النجم الهائل . واتضح أن لهذه الحركة نظاماً ثابتاً هو الآخر يوحي بوحدة الخلق ووحدة التدبير . . وفي كل يوم يكشف الإنسان عن جديد من دلائل الوحدة في تصميم هذا الوجود . ويكشف عن حق ثابت في هذا التصميم لا يتقلب مع هوى , ولا ينحرف مع ميل , ولا يتخلف لحظة ولا يحيد .

(خلق السماوات والأرض بالحق). .

وأنزل الكتاب بالحق . . فهو الحق الواحد في ذلك الكون وفي هذا الكتاب . . وكلاهما صادر من مصدر واحد . وكلاهما آية على وحدة المبدع العزيز الحكيم .

(يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل). .

وهو تعبير عجيب يقسر الناظر فيه قسراً على الالتفات إلى ما كشف حديثاً عن كروية الأرض ومع أنني في هذه الظلال حريص على ألا أحمل القرآن على النظريات التي يكشفها الإنسان , لأنها نظريات تخطى ء وتصيب , وتثبت اليوم وتبطل غداً . والقرآن حق ثابت يحمل آية صدقه في ذاته , ولا يستمدها من موافقة أو مخالفة لما يكشفه البشر الضعاف المهازيل !

مع هذا الحرص فإن هذا التعبير يقسرني قسراً على النظر في موضوع كروية الأرض . فهو يصور حقيقة مادية ملحوظة على وجه الأرض . فالأرض الكروية تدور حول نفسها في مواجهة الشمس ; فالجزء الذي يواجه الشمس من سطحها المكور يغمره الضوء ويكون نهاراً . ولكن هذا الجزء لا يثبت لأن الأرض تدور . وكلما تحركت بدأ الليل يغمر السطح الذي كان عليه النهار . وهذا السطح مكور فالنهار كان عليه مكوراً والليل يتبعه مكوراً كذلك . وبعد فترة يبدأ النهار من الناحية الأخرى يتكور على الليل . وهكذا في حركة دائبة: (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل). . واللفظ يرسم الشكل , ويحدد الوضع , ويعين نوع طبيعة الأرض وحركتها . وكروية الأرض ودورانها يفسران هذا التعبير تفسيراً أدق من أي تفسير آخر لا يستصحب هذه النظرية .

(وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى). .

والشمس تجري في مدارها . والقمر يجري في مداره . وهما مسخران بأمر الله . فما يزعم أحد أنه يجريهما . وما يقبل منطق الفطرة أن يجريا بلا محرك , يدبرهما بمثل هذا النظام الدقيق الذي لا يختل شعرة في ملايين السنين .وستجري الشمس وسيجري القمر (لأجل مسمى). . لا يعلمه إلا الله سبحانه .

(ألا هو العزيز الغفار). .

فمع القوة والقدرة والعزة , هو غفار لمن يتوب إليه وينيب , ممن يكذبون عليه ويكفرون به , ويتخذون معه آلهة , ويزعمون له ولداً - وقد سبق حديثهم - والطريق امامهم مفتوح ليرجعوا إلى العزيز الغفار . .

الدرس الثاني:6 خلق الإنسان ورعايته من فضل الله

ومن تلك اللفتة إلى آفاق الكون الكبير , ينتقل إلى لمسة في أنفس العباد ; ويشير إلى آية الحياة القريبة منهم في أنفسهم وفي الأنعام المسخرة لهم:

(خلقكم من نفس واحدة . ثم جعل منها زوجها . وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج . يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث . ذلكم الله ربكم له الملك . لا إله إلا هو فأنى تصرفون ?).

وحين يتأمل الإنسان في نفسه . نفسه هذه التي لم يخلقها . والتي لا يعلم عن خلقها إلا ما يقصه الله عليه . وهي نفس واحدة . ذات طبيعة واحدة . وذات خصائص واحدة . خصائص تميزها عن بقية الخلائق , كما أنها تجمع كل أفرادها في إطار تلك الخصائص . فالنفس الإنسانية واحدة في جميع الملايين المنبثين في الأرض في جميع الأجيال وفي جميع البقاع . وزوجها كذلك منها . فالمرأة تلتقي مع الرجل في عموم الخصائص البشرية - رغم كل اختلاف في تفصيلات هذه الخصائص - مما يشي بوحدة التصميم الأساسي لهذا الكائن البشري . الذكر والأنثى . ووحدة الإرادة المبدعة لهذه النفس الواحدة بشقيها .

وعند الإشارة إلى خاصية الزوجية في النفس البشرية ترد الإشارة إلى هذه الخاصية في الأنعام كذلك . مما يشي بوحدة القاعدة في الأحياء جميعاً:

(وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج):

والأنعام الثمانية كما جاءت في آية أخرى:هي الضأن والمعز والبقر والإبل . من كل ذكر وأنثى . وكل من الذكر والأنثى يسمى زوجاً عند اجتماعهما . فهي ثمانية في مجموعها . . والتعبير يعبر عن تسخيرها للإنسان بأنه إنزال لها من عند الله . فهذا التسخير منزل من عنده . منزل من عليائه إلى عالم البشر . ومأذون لهم فيه من عنده تعالى .

ثم يعود - بعد هذه الإشارة إلى وحدة خاصية الزوجية في الناس والأنعام - إلى تتبع مراحل الخلق للأجنة في بطون أمهاتها:

(يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق). .

من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام . إلى الخلق الواضح فيه عنصر البشرية .

(في ظلمات ثلاث). .

ظلمة الكيس الذي يغلف الجنين . وظلمة الرحم الذي يستقر فيه هذا الكيس . وظلمة البطن الذي تستقر فيه الرحم . ويد الله تخلق هذه الخلية الصغيرة خلقاً من بعد خلق . وعين الله ترعى هذه الخليقة وتودعها القدرة على النمو . والقدرة على التطور . والقدرة على الارتقاء . والقدرة على السير في تمثيل خطوات النفس البشرية كما قدر لها بارئها .

وتتبع هذه الرحلة القصيرة الزمن , البعيدة الآماد ; وتأمل هذه التغيرات والأطوار ; وتدبر تلك الخصائص

من الاية 6 الى الاية 7

خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6) إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)

العجيبة التي تقود خطى هذه الخلية الضعيفة في رحلتها العجيبة . . . في تلك الظلمات وراء علم الإنسان وقدرته وبصره . .

هذا كله من شأنه أن يقود القلب البشري إلى رؤية يد الخالق المبدع . رؤيتها بآثارها الحية الواضحة الشاخصة والإيمان بالوحدانية الظاهرة الأثر في طريقة الخلق والنشأة . فكيف يصرف قلب عن رؤية هذه الحقيقة ?:

(ذلكم الله ربكم له الملك . لا إله إلا هو . فأنى تصرفون ?). .

الدرس الثالث:7 الله يرضى بالشكر ويعاقب على الكفر

وأمام هذه الرؤية الواضحة لآية الوحدانية المطلقة , وآية القدرة الكاملة , يقفهم أمام أنفسهم . في مفرق الطريق بين الكفر والشكر . وأمام التبعة الفردية المباشرة في اختيار الطريق . ويلوح لهم بنهاية الرحلة , وما ينتظرهم هناك من حساب , يتولاه الذي يخلقهم في ظلمات ثلاث . والذي يعلم ما تكن صدورهم من خفايا الصدور:

(إن تكفروا فإن الله غني عنكم . ولا يرضى لعباده الكفر . وإن تشكروا يرضه لكم . ولا تزر وازرة وزر أخرى . ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون . إنه عليم بذات الصدور). .

إن هذه الرحلة في بطون الأمهات هي مرحلة في الطريق الطويل . تليها مرحلة الحياة خارج البطون . ثم تعقبها المرحلة الأخيرة مرحلة الحساب والجزاء . بتدبير المبدع العليم الخبير .

والله - سبحانه - غني عن العباد الضعاف المهازيل . إنما هي رحمته وفضله أن يشملهم بعنايته ورعايته . وهم من هم من الضعف والهزال !

(إن تكفروا فإن الله غني عنكم). .

فإيمانكم لا يزيد في ملكه شيئاً . وكفركم لا ينقص منه فتيلاً . ولكنه لا يرضى عن كفر الكافرين ولا يحبه:

(ولا يرضى لعباده الكفر). .

(وإن تشكروا يرضه لكم). .

ويعجبه منكم , ويحبه لكم , و يجزيكم عليه خيراً .

وكل فرد مأخوذ بعمله , محاسب على كسبه ; ولا يحمل أحد عبء أحد . فلكل حمله وعبؤه:

(ولا تزر وازرة وزر أخرى). .

والمرجع في النهاية إلى الله دون سواه ; ولا مهرب منه ولا ملجأ عند غيره:

(ثم إلى ربِّكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون). .

ولا يخفى عليه من أمركم شيء:

(إنه عليم بذات الصدور). .

هذه هي العاقبة . وتلك هي دلائل الهدى . وهذا هو مفرق الطريق . . ولكل أن يختار . عن بينة . وعن تدبر . وبعد العلم والتفكير . .
من الاية 8 الى الاية 9

وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (Cool أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (9)

الوحدة الثانية:8 - 10 الموضوع:اختلاف نظرة الناس إلى الإبتلاء ودعوة إلى عبادة الله

في الجولة الأولى لمس قلوبهم بعرض قصة وجودهم وخلقهم من نفس واحدة وتزويجها من جنسها ; وخلق الأنعام أزواجاً كذلك ; وخلقهم في بطون أمهاتهم في ظلمات ثلاث . وأشعرهم يد الله تمنحهم خصائص جنسهم البشري أول مرة ; ثم تمنحهم خصائص البقاء والارتقاء .

وهنا يلمس قلوبهم لمسة أخرى وهو يعرض عليهم صورتهم في الضراء وصورتهم في السراء ; ويريهم تقلبهم وضعفهم وادعاءهم وقلة ثباتهم على نهج ; إلا حين يتصلون بربهم , ويتطلعون إليه , ويقنتون له , فيعرفون الطريق , ويعلمون الحقيقة ; وينتفعون بما وهبهم الله من خصائص الإنسان .

الدرس الأول:8 اللجوء إلى الله عند الضر ونسيانه عند النعمة

(وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه . ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل , وجعل لله أنداداً , ليضل عن سبيله . قل:تمتع بكفرك قليلاً , إنك من أصحاب النار). .

إن فطرة الإنسان تبرز عارية حين يمسه الضر ; ويسقط عنها الركام ; وتزول عنها الحجب , وتتكشف عنها الأوهام ; فتتجه إلى ربها , وتنيب إليه وحده ; وهي تدرك أنه لا يكشف الضر غيره . وتعلم كذب ما تدعي من شركاء أو شفعاء .

فأما حين يذهب الضر ويأتي الرخاء , ويخوله الله نعمة منه , ويرفع عنه البلاء . فإن هذا الإنسان الذي تعرت فطرته عند مس الضر يعود فيضع عليها الركام , وينسى تضرعه وإنابته وتوحيده لربه . وتطلعه إليه في المحنة وحده , حين لم يكن غيره يملك أن يدفع عنه محنته . . ينسى هذا كله ويذهب يجعل لله أنداداً . إما آلهة يعبدها كما كان في جاهليته الأولى ; وإما قيماً وأشخاصاً وأوضاعاً يجعل لها في نفسه شركة مع الله , كما يفعل في جاهلياته الكثيرة ! فإذا هو يعبد شهواته وميوله ومطامعه ومخاوفه وماله وأولاده وحكامه وكبراءه كما يعبد الله أو أخلص عبادة ; ويحبها كما يحب الله أو أشد حباً ! والشرك ألوان . فيها الخفي الذي لا يحسبه الناس شركاً , لأنه لا يأخذ شكل الشرك المعروف وإنما هو من الشرك في الصميم .

وتكون العاقبة هي الضلال عن سبيل الله . فسبيل الله واحد لا يتعدد . وإفراده بالعبادة والتوجه والحب هو وحده الطريق إليه . والعقيدة في الله لا تحتمل شركة في القلب . لا تحتمل شركة من مال ولا ولد ولا وطن ولاأرض ولا صديق ولا قريب , فأيما شركة قامت في القلب من هذا وأمثاله فهي اتخاذ أنداد لله , وضلال عن سبيل الله , منته إلى النار بعد قليل من المتاع في هذه الأرض:

(قل:تمتع بكفرك قليلاً:إنك من أصحاب النار). .

وكل متاع في هذه الأرض قليل مهما طال . وأيام الفرد على هذه الأرض معدودة مهما عمر . بل إن حياة الجنس البشري كله على الأرض لمتاع قليل , حين يقاس إلى أيام الله !

الدرس الثاني:9 صورة العالم العابد القانت

وإلى جانب هذه الصورة النكدة من الإنسان , يعرض صورة اخرى . . صورة القلب الخائف الوجل , الذي يذكر الله ولا ينساه في سراء ولا ضراء ; والذي يعيش حياته على الأرض في حذر من الآخرة ; وفي تطلع إلى رحمة ربه وفضله ; وفي اتصال بالله ينشأ عنه العلم الصحيح المدرك لحقائق الوجود:

أم من هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً , يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ? قل:هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ? إنما يتذكر أولو الألباب .

وهي صورة مشرقة مرهفة . فالقنوت والطاعة والتوجه - وهو ساجد وقائم - وهذه الحساسية المرهفة - وهو يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه - وهذا الصفاء وهذه الشفافية التي تفتح البصيرة . وتمنح القلب نعمة الرؤية والالتقاط والتلقي . . هذه كلها ترسم صورة مشرقة وضيئة من البشر تقابل تلك الصورة النكدة المطموسة التي رسمتها الآية السابقة . فلا جرم يعقد هذه الموازنة:

(قل:هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ?). .

فالعلم الحق هو المعرفة . هو إدراك الحق . هو تفتح البصيرة . هو الاتصال بالحقائق الثابتة في هذا الوجود . وليس العلم هو المعلومات المفردة المنقطعة التي تزحم الذهن , ولا تؤدي إلى حقائق الكون الكبرى , ولا تمتد وراء الظاهر المحسوس .

وهذا هو الطريق إلى العلم الحقيقي والمعرفة المستنيرة . . هذا هو . . القنوت لله . وحساسية القلب , واستشعار الحذر من الآخرة , والتطلع إلى رحمة الله وفضله ; ومراقبة الله هذه المراقبة الواجفة الخاشعة . . هذا هو الطريق , ومن ثم يدرك اللب ويعرف , وينتفع بما يرى وما يسمع وما يجرب ; وينتهي إلى الحقائق الكبرى الثابتة من وراء المشاهدات والتجارب الصغيرة . فأما الذين يقفون عند حدود التجارب المفردة , والمشاهدات الظاهرة , فهم جامعو معلومات وليسوا بالعلماء . .

إنما يتذكر أولو الألباب . .

وإنما يعرف أصحاب القلوب الواعية المتفتحة المدركة لما وراء الظواهر من حقائق . المنتفعة بما ترى وتعلم , التي تذكر الله في كل شيء تراه وتلمسه ولا تنساه , ولا تنسى يوم لقاه . .

الدرس الثالث:10 دعوة العباد إلى التقوى والصبر

وبعد عرض هاتين الصورتين يتجه إلى الذين آمنوا يناديهم ليتقوا ويحسنوا ; ويتخذوا من حياتهم القصيرة على هذه الأرض وسيلة للكسب الطويل في الحياة الآخرة:

(قل:يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم . للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة . وأرض الله واسعة . إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب). .

من الاية 10 الى الاية 10

قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)

وفي التعبير: (قل:يا عباد الذين آمنوا)التفاتة خاصة . فهو في الأصل:قل لعبادي الذين آمنوا . . قل لهم:اتقوا ربكم . ولكنه جعله يناديهم , لأن في النداء إعلاناً وتنبيهاً . والرسول [ ص ] لا يقول لهم: (يا عبادي)فهم عباد الله . فهناك هذه الالتفاتة في أثناء تكليفه بتبليغهم أن يناديهم باسم الله . فالنداء في حقيقته من الله . وما محمد [ ص ] إلا مبلغ عنه للنداء .

(قل:يا عباد الذين آمنوا . اتقوا ربكم). .

والتقوى هي تلك الحساسية في القلب , والتطلع إلى الله في حذر وخشية , وفي رجاء وطمع , ومراقبة غضبه ورضاه في توفز وإرهاف . . إنها تلك الصورة الوضيئة المشرقة , التي رسمتها الآية السابقة لذلك الصنف الخاشع القانت من عباد الله .

(للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة). .

وما أجزل الجزاء ! حسنة في الدنيا القصيرة الأيام الهزيلة المقام . تقابلها حسنة في الآخرة دار البقاء والدوام . ولكنه فضل الله على هذا الإنسان . الذي يعرف منه ضعفه وعجزه وضآلة جهده . فيكرمه ويرعاه !

(وأرض الله واسعة).

فلا يقعد بكم حب الأرض , وإلف المكان , وأواصر النسب والقربى والصحبة في دار عن الهجرة منها , إذا ضاقت بكم في دينكم , وأعجزكم فيها الإحسان . فإن الالتصاق بالأرض في هذه الحالة مدخل من مداخل الشيطان ; ولون من اتخاذ الأنداد لله في قلب الإنسان .

وهي لفتة قرآنية لطيفة إلى مداخل الشرك الخفية في القلب البشري , في معرض الحديث عن توحيد الله وتقواه , تنبىء عن مصدر هذا القرآن . فما يعالج القلب البشري هذا العلاج إلا خالقه البصير به , العليم بخفاياه .

والله خالق الناس يعلم أن الهجرة من الأرض عسيرة على النفس , وأن التجرد من تلك الوشائج أمر شاق , وأن ترك مألوف الحياة ووسائل الرزق واستقبال الحياة في أرض جديدة تكليف صعب على بني الإنسان:ومن ثم يشير في هذا الموضع إلى الصبر وجزائه المطلق عند الله بلا حساب:

(إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب). .

فيأخذ قلوبهم بهذه اللمسة في موضعها المناسب , ويعالج ما يشق على تلك القلوب الضعيفة العلاج الشافي , وينسم عليها في موقف الشدة نسمة القرب والرحمة . ويفتح لها أبواب العوض عن الوطن والأرض والأهل والإلف عطاء من عنده بغير حساب . . فسبحان العليم بهذه القلوب , الخبير بمداخلها ومساربها , المطلع فيها على خفي الدبيب .

الوحدة الثالثة:11 - 20 الموضوع:دعوة إلى الإخلاص في عبادة الله ولقطات من مشاهد القيامة

من الاية 11 الى الاية 15

قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15)

هذا المقطع كله يظلله جو الآخرة , وظل الخوف من عذابها , والرجاء في ثوابها . ويبدأ بتوجيه الرسول [ ص ] إلى إعلان كلمة التوحيد الخالصة ; وإعلان خوفه - وهو النبي المرسل - من عاقبة الإنحراف عنها , وإعلان تصميمه على منهجه وطريقه , وتركهم هم إلى منهجهم وطريقهم . وبيان عاقبة هذا الطريق وذاك , يوم يكون الحساب .

الدرس الأول 11 - 13 إخلاص العبودية لله

(قل:إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ; وأمرت لأن أكون أول المسلمين . قل:إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم). .

وهذا الإعلان من النبي [ ص ] بأنه مأمور أن يعبد الله وحده , ويخلص له الدين وحده ; وأن يكون بهذا أول المسلمين ; وأنه يخاف عذاب يوم عظيم إن هو عصى ربه . . هذا الإعلان ذو قيمة كبرى في تجريد عقيدة التوحيد كما جاء بها الإسلام . فالنبي [ ص ] في هذا المقام هو عبد لله . هذا مقامه لا يتعداه . وفي مقام العبادة يقف العبيد كلهم صفاً , وترتفع ذات الله سبحانه متفردة فوق جميع العباد . . وهذا هو المراد .

وعند ذلك يقر معنى الألوهية , ومعنى العبودية , ويتميزان , فلا يختلطان ولا يشتبهان , وتتجرد صفة الوحدانية لله سبحانه بلا شريك ولا شبيه . وحين يقف محمد رسول الله [ ص ] في مقام العبودية لله وحده يعلن هذا الإعلان , ويخاف هذا الخوف من العصيان , فليس هنالك مجال لدعوى شفاعة الأصنام أو الملائكة بعبادتهم من دون الله أو مع الله بحال من الأحوال .

ومرة أخرى يكرر الإعلان مع الإصرار على الطريق , وترك المشركين لطريقهم ونهايته الأليمة:

(قل:الله أعبد مخلصاً له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه . قل:إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة . ألا ذلك هو الخسران المبين). .

مرة أخرى يعلن:إنني ماض في طريقي . أخص الله بالعبادة , وأخلص له الدينونة . فأما أنتم فامضوا في الطريق التى تريدون ; واعبدوا ما شئتم من دونه . ولكن هنالك الخسران الذي ما بعده خسران . خسران النفس التي تنتهي إلى جهنم . وخسران الأهل سواء كانوا مؤمنين أم كافرين . فإن كانوا مؤمنين فقد خسرهم المشركون لأن هؤلاء إلى طريق وهؤلاء إلى طريق . وإن كانوا مشركين مثلهم فكلهم خسر نفسه بالجحيم . . (ألا ذلك هو الخسران المبين). .
من الاية 16 الى الاية 19

لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (18) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ (19)

ثم يعرض مشهد الخسران المبين:

(لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل . ذلك يخوف الله به عباده . يا عباد فاتقون). .

وهو مشهد رعيب حقاً . مشهد النار في هيئة ظلل من فوقهم وظلل من تحتهم , وهم في طيات هذه الظلل المعتمة تلفهم وتحتوي عليهم . وهي من النار !

إنه مشهد رعيب . يعرضه الله لعباده وهم بعد في الأرض يملكون أن ينأوا بأنفسهم عن طريقه . ويخوفهم مغبته لعلهم يجتنبونه:

(ذلك يخوف الله به عباده). .

ويناديهم ليحذروا ويتقوا ويسلموا:

(يا عباد فاتقون).

وعلى الضفة الأخرى يقف الناجون , الذين خافوا هذا المصير المشؤوم:

والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى . فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه , أولئك الذين هداهم الله . وأولئك هم أولو الألباب . .

والطاغوت صياغة من الطغيان ; نحو ملكوت وعظموت ورحموت . تفيد المبالغة والضخامة . والطاغوت كل ما طغا وتجاوز الحد . والذين اجتنبوا عبادتها هم الذين اجتنبوا عبادة غير المعبود في أية صورة من صور العبادة . وهم الذين أنابوا إلى ربهم . وعادوا إليه , ووقفوا في مقام العبودية له وحده .

هؤلاء (لهم البشرى)صادرة إليهم من الملأ الأعلى . والرسول [ ص ] يبلغها لهم بأمر الله: (فبشر عباد). . إنها البشرى العلوية يحملها إليهم رسول كريم . وهذا وحده نعيم !

هؤلاء من صفاتهم أنهم يستمعون ما يستمعون من القول , فتلتقط قلوبهم أحسنه وتطرد ما عداه , فلا يلحق بها ولا يلصق إلا الكلم الطيب , الذي تزكو به النفوس والقلوب . . والنفس الطيبة تتفتح للقول الطيب فتتلقاه وتستجيب له . والنفس الخبيثة لا تتفتح إلا للخبيث من القول ولا تستجيب إلا له .

(أولئك الذين هداهم الله). .

فقد علم الله في نفوسهم خيراً فهداهم إلى استماع أحسن القول والاستجابة له . والهدى هدى الله .

وأولئك هم أولو الألباب . .

فالعقل السليم هو الذي يقود صاحبه إلى الزكاة , وإلى النجاة . ومن لا يتبع طريق الزكاة والنجاة فكأنه مسلوب العقل محروم من هذه النعمة التي أعطاها له الله .

وقبل أن يعرض مشهد هؤلاء في نعيمهم في الآخرة يقرر أن عبدة الطاغوت قد وصلوا فعلاً إلى النار . وأن أحداً لا يملك أن ينقذهم من هذه النار:

(أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ?). .

والخطاب لرسول الله [ ص ] وإذا كان هو لا يملك إنقاذهم من النار التي هم فيها فمن يملكها إذن سواه ?

وأمام مشهد هؤلاء في النار - وكأنهم فيها فعلا الآن . ما دام قد حق عليهم العذاب - يعرض مشهد الذين اتقوا

من الاية 20 الى الاية 20

لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20)

ربهم , وخافوا ما خوفهم الله:

(لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية , تجري من تحتها الأنهار . وعد الله . لا يخلف الله الميعاد). .

ومشهد الغرف المبنية , من فوقها غرف , تجري الأنهار من تحتها . . هذا المشهد يتقابل مع مشهد ظلل النار هناك من فوقهم ومن تحتهم . هذا التقابل الذي ينسقه التعبير القرآني وهو يرسم المشاهد للأنظار .

ذلك وعد الله . ووعد الله واقع . لا يخلف الله الميعاد .

ولقد عاش المسلمون الذين تلقوا هذا القرآن أول مرة . عاشوا هذه المشاهد فعلاً وواقعاً . فلم تكن في نفوسهم وعداً أو وعيداً يتلقونهما من مستقبل بعيد . إنما كان هذا وذلك واقعاً تشهده قلوبهم وتحسه وتراه . وتتأثر وترتعش وتستجيب لمرآه . ومن ثم تحولت نفوسهم ذلك التحول ; وتكيفت حياتهم على هذه الأرض بذلك الواقع الأخروي , الذي كانوا يعيشونه ويحيون به وهم بعد في الحياة ! وهكذا ينبغي أن يتلقى المسلم وعد الله .

الوحدة الرابعة:21 - 29 الموضوع شرح الصدر للإسلام والقرآن ومشهد لعذاب الكفار يوم القيامة

كمال العطار
كمال العطار
مدير المنتدي
مدير المنتدي

عدد المساهمات : 5682
تاريخ التسجيل : 11/05/2011

https://reydalsalhen.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى