منتدي رياض الصالحين
اهلا وسهلا بكل السادة الزوار ونرحب بكم بمنتديات رياض الصالحين ويشرفنا ويسعدنا انضمامكم لاسرة المنتدي

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

منتدي رياض الصالحين
اهلا وسهلا بكل السادة الزوار ونرحب بكم بمنتديات رياض الصالحين ويشرفنا ويسعدنا انضمامكم لاسرة المنتدي
منتدي رياض الصالحين
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

تفسير سورة العنكبوت ايه 1 الى ايه 20 الشيخ سيد قطب

اذهب الى الأسفل

تفسير سورة العنكبوت ايه 1 الى ايه 20 الشيخ سيد قطب Empty تفسير سورة العنكبوت ايه 1 الى ايه 20 الشيخ سيد قطب

مُساهمة  كمال العطار الجمعة يونيو 01, 2012 12:24 am

من الاية 1 الى الاية 2

الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)

مقدمة

سورة العنكبوت سورة العنكبوت مكية . وقد ذكرت بعض الروايات أن الإحدى عشرة آية الأولى مدنية . وذلك لذكر"الجهاد" فيها وذكر " المنافقين " . . ولكننا نرجح أن السورة كلها مكية . وقد ورد في سبب نزول الآية الثامنة أنها نزلت في إسلام سعد بن أبي وقاص كما سيجيء . وإسلام سعد كان في مكة بلا جدال . وهذه الآية ضمن الآيات الإحدى عشرة التي قيل إنها مدنية . لذلك نرجح مكية الآيات كلها . أما تفسير ذكر الجهاد فيها فيسير . لأنها واردة بصدد الجهاد ضد الفتنة . أي جهاد النفس لتصبر ولا تفتن . وهذا واضح في السياق . وكذلك ذكر النفاق فقد جاء بصدد تصوير حالة نموذج من الناس .

والسورة كلها متماسكة في خط واحد منذ البدء إلى الختام .

إنها تبدأ بعد الحروف المقطعة بالحديث عن الإيمان والفتنة , وعن تكاليف الإيمان الحقة التي تكشف عن معدنه في النفوس . فليس الإيمان كلمة تقال باللسان , إنما هو الصبر على المكاره والتكاليف في طريق هذه الكلمة المحفوفة بالمكاره والتكاليف .

ويكاد هذا أن يكون محور السورة وموضوعها ; فإن سياقها يمضي بعد ذلك المطلع يستعرض قصص نوح وإبراهيم ولوط وشعيب , وقصص عاد وثمود وقارون وفرعون وهامان , استعراضا سريعا يصور ألوانا من العقبات والفتن في طريق الدعوة إلى الإيمان . على امتداد الأجيال .

ثم يعقب على هذا القصص وما تكشف فيه من قوى مرصودة في وجه الحق والهدى , بالتصغير من قيمة هذه القوى والتهوين من شأنها , وقد أخذها الله جميعا:

(فكلا أخذنا بذنبه , فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا , ومنهم من أخذته الصيحة , ومنهم من خسفنا به الأرض , ومنهم من أغرقنا). .

ويضرب لهذه القوى كلها مثلا مصورا يجسم وهنها وتفاهتها:

(مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا , وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون).

ويربط بعد ذلك بين الحق الذي في تلك الدعوات والحق الذي في خلق السماوات والأرض ; ثم يوحد بين تلك الدعوات جميعا ودعوة محمد [ ص ] فكلها من عند الله . وكلها دعوة واحدة إلى الله . ومن ثم يمضي في الحديث عن الكتاب الأخير وعن استقبال المشركين له ; وهم يطلبون الخوارق غير مكتفين بهذا الكتاب وما فيه من رحمة وذكرى لقوم يؤمنون . ويستعجلون بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين . ويتناقضون في منطقهم: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله !). . (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ليقولن الله !). . (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين). . ولكنهم مع هذا كله يشركون بالله ويفتنون المؤمنين .

وفي ثنايا هذا الجدل يدعو المؤمنين إلى الهجرة فرارا بدينهم من الفتنة , غير خائفين من الموت , إذ (كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا يرجعون). غير خائفين من فوات الرزق: وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم . .

ويختم السورة بتمجيد المجاهدين في الله وطمأنتهم على الهدى وتثبيتهمSadوالذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا , وإن الله لمع المحسنين). . فيلتئم الختام مع المطلع وتتضح حكمة السياق في السورة , وتماسك حلقاتها بين المطلع والختام , حول محورها الأول وموضوعها الأصيل .

ويمضي سياق السورة حول ذلك المحور الواحد في ثلاثة أشواط:

الشوط الأول يتناول حقيقة الإيمان , وسنة الابتلاء والفتنة , ومصير المؤمنين والمنافقين والكافرين . ثم فردية التبعة فلا يحمل أحد عن أحد شيئا يوم القيامة: (وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون). .

والشوط الثاني يتناول القصص الذي أشرنا إليه , وما يصوره من فتن وعقبات في طريق الدعوات والدعاة , والتهوين من شأنها في النهاية حين تقاس إلى قوة الله . ويتحدث عن الحق الكامن في دعوة الرسل , وهو ذاته الحق الكامن في خلق السماوات والأرض . وكله من عند الله .

والشوط الثالث يتناول النهي عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالحسنى . إلا الذين ظلموا منهم . وعن وحدة الدين كله , واتحاده مع هذا الدين الأخير الذي يجحد به الكافرون , ويجادل فيه المشركون . ويختم بالتثبيت والبشرى والطمأنينة للمجاهدين في الله المهديين إلى سبل الله: (وإن الله لمع المحسنين). .

ويتخلل السورة من المطلع إلى الختام إيقاعات قوية عميقة حول معنى الإيمان وحقيقته . تهز الوجدان هزا . وتقفه أمام تكاليف الإيمان وقفة جد صارم ; فإما النهوض بها وإما النكوص عنها . وإلا فهو النفاق الذي يفضحه الله .

وهي إيقاعات لا سبيل إلى تصويرها بغير النصوص القرآنية التي وردت فيها . فنكتفي بالإشارة إليها هنا حتى نستعرضها في موضعها مع السياق .

الدرس الأول 1 سنة الفتنة والإبتلاء ونتائجها

ألف . لام . ميم . .

الحروف المقطعة التي اخترنا في تفسيرها أنها للتنبيه إلى أنها مادة الكتاب الذي أنزله الله على رسوله [ ص ] مؤلفا من مثل هذه الحروف , المألوفة للقوم , الميسرة لهم ليؤلفوا منها ما يشاؤون من القول ; ولكنهم لا يملكون أن يؤلفوا منها مثل هذا الكتاب ; لأنه من صنع الله لا من صنع إنسان .

وقد قلنا من قبل:إن السور التي صدرت بهذه الحروف تتضمن حديثا عن القرآن , إما مباشرة بعد هذه الحروف , وإما في ثنايا السورة , كما هو الحال في هذه السورة . فقد ورد فيها: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب). . (وكذلك أنزلنا إليك الكتاب). . (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك). . (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم). . مما يتمشى مع القاعدة التي اخترناها لتفسير هذه الأحرف في افتتاح السور .

وبعد هذا الافتتاح يبدأ الحديث عن الإيمان , والفتنة التي يتعرض لها المؤمنون لتحقيق هذا الإيمان ; وكشف الصادقين والكاذبين بالفتنة والابتلاء:

(أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا:آمنا وهم لا يفتنون ? ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين).

إنه الإيقاع الأول في هذا المقطع القوي من السورة . يساق في صورة استفهام استنكاري لمفهوم الناس للإيمان , وحسبانهم أنه كلمة تقال باللسان .

(أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا:آمنا وهم لا يفتنون ?).
من الاية 3 الى الاية 3

وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)

إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف ; وأمانة ذات أعباء ; وجهاد يحتاج إلى صبر , وجهد يحتاج إلى احتمال . فلا يكفي أن يقول الناس:آمنا . وهم لا يتركون لهذه الدعوى , حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم . كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به - وهذا هو أصل الكلمة اللغوي وله دلالته وظله وإيحاؤه - وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب .

هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت , وسنة جارية , في ميزان الله سبحانه:

(ولقد فتنا الذين من قبلهم , فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين). .

والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء ; ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله , مغيب عن علم البشر ; فيحاسب الناس إذن على ما يقع من عملهم لا على مجرد ما يعلمه سبحانه من أمرهم . وهو فضل من الله من جانب , وعدل من جانب , وتربية للناس من جانب , فلا يأخذوا أحدا إلا بما استعلن من أمره , وبما حققه فعله . فليسوا بأعلم من الله بحقيقة قلبه ! .

ونعود إلى سنة الله في ابتلاء الذين يؤمنون وتعريضهم للفتنة حتى يعلم الذين صدقوا منهم ويعلم الكاذبين .

إن الإيمان أمانة الله في الأرض , لا يحملها إلا من هم لها أهل وفيهم على حملها قدرة , وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص . وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة , وعلى الأمن والسلامة , وعلى المتاع والإغراء . وإنها لأمانة الخلافة في الأرض , وقيادة الناس إلى طريق الله , وتحقيق كلمته في عالم الحياة . فهي أمانة كريمة ; وهي أمانة ثقيلة ; وهي من أمر الله يضطلع بها الناس ; ومن ثم تحتاج إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء .

ومن الفتنة أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله ; ثم لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه , ولا يملك النصرة لنفسه ولا المنعة ; ولا يجد القوة التي يواجه بها الطغيان . وهذه هي الصورة البارزة للفتنة , المعهودة في الذهن حين تذكر الفتنة . ولكنها ليست أعنف صور الفتنة . فهناك فتن كثيرة في صور شتى , ربما كانت أمر وأدهى .

هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه , وهو لا يملك عنهم دفعا . وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم ; وينادونه باسم الحب والقرابة , واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى أو الهلاك . وقد أشير في هذه السورة إلى لون من هذه الفتنة مع الوالدين وهو شاق عسير .

وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين , ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين , تهتف لهم الدنيا , وتصفق لهم الجماهير , وتتحطم في طريقهم العوائق , وتصاغ لهم الأمجاد , وتصفو لهم الحياة . وهو مهمل منكر لا يحس به أحد , ولا يحامي عنه أحد , ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئا .

وهنالك فتنة الغربة في البيئة والاستيحاش بالعقيدة , حين ينظر المؤمن فيرى كل ما حوله وكل من حوله غارقا في تيار الضلالة ; وهو وحده موحش غريب طريد .

وهناك فتنة من نوع آخر قد نراها بارزة في هذه الأيام . فتنة أن يجد المؤمن أمما ودولا غارقة في الرذيلة , وهي مع ذلك راقية في مجتمعها , متحضرة في حياتها , يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية ما يناسب قيمة الإنسان . ويجدها غنية قوية , وهي مشاقة لله !

وهنالك الفتنة الكبرى . أكبر من هذا كله وأعنف . فتنة النفس والشهوة . وجاذبية الأرض , وثقلة اللحم

من الاية 4 الى الاية 5

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ (4) مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5)

والدم , والرغبة في المتاع والسلطان , أو في الدعة والاطمئنان . وصعوبة الاستقامة على صراط الإيمان والاستواء على مرتقاه , مع المعوقات والمثبطات في أعماق النفس , وفي ملابسات الحياة , وفي منطق البيئة , وفي تصورات أهل الزمان !

فإذا طال الأمد , وأبطأ نصر الله , كانت الفتنة أشد وأقسى . وكان الابتلاء أشد وأعنف . ولم يثبت إلا من عصم الله . وهؤلاء هم الذين يحققون في أنفسهم حقيقة الإيمان , ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى , أمانة السماء في الأرض , وأمانة الله في ضمير الإنسان .

وما بالله - حاشا لله - أن يعذب المؤمنين بالابتلاء , وأن يؤذيهم بالفتنة . ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة . فهي في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق ; وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات , وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام , وإلا بالثقة الحقيقية في نصر الله أو في ثوابه , وعلى الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء .

والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث ; وتستجيش كامن قواها المذخورة فتستيقظ وتتجمع . وتطرقها بعنف وشدة فيشتد عودها ويصلب ويصقل . وكذلك تفعل الشدائد بالجماعات , فلا يبقى صامدا إلا أصلبها عودا ; وأقواها طبيعة , وأشدها اتصالا بالله , وثقة فيما عنده من الحسنيين:النصر أو الأجر , وهؤلاء هم الذين يسلمون الراية في النهاية . مؤتمنين عليها بعد الاستعداد والاختبار .

وإنهم ليتسلمون الأمانة وهي عزيزة على نفوسهم بما أدوا لها من غالي الثمن ; وبما بذلوا لها من الصبر على المحن ; وبما ذاقوا في سبيلها من الآلام والتضحيات . والذي يبذل من دمه وأعصابه , ومن راحته واطمئنانه , ومن رغائبه ولذاته . ثم يصبر على الأذى والحرمان ; يشعر ولا شك بقيمة الأمانة التي بذل فيها ما بذل ; فلا يسلمها رخيصة بعد كل هذه التضحيات والآلام .

فأما انتصار الإيمان والحق في النهاية فأمر تكفل به وعد الله . وما يشك مؤمن في وعد الله . فإن أبطأ فلحكمة مقدرة , فيها الخير للإيمان وأهله . وليس أحد بأغير على الحق وأهله من الله . وحسب المؤمنين الذين تصيبهم الفتنة , ويقع عليهم البلاء , أن يكونوا هم المختارين من الله , ليكونوا أمناء على حق الله . وأن يشهد الله لهم بأن في دينهم صلابة فهو يختارهم للابتلاء:

جاء في الصحيح:" أشد الناس بلاء الأنبياء , ثم الصالحون , ثم الأمثل فالأمثل , يبتلى الرجل على حسب دينه , فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء " . .

وأما الذين يفتنون المؤمنين , ويعملون السيئات , فما هم بمفلتين من عذاب الله ولا ناجين . مهما انتفخ باطلهم وانتفش , وبدا عليه الانتصار والفلاح . وعد الله كذلك وسنته في نهاية المطاف:

(أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ? ساء ما يحكمون !). .

فلا يحسبن مفسد أنه مفلت ولا سابق , ومن يحسب هذا فقد ساء حكمه , وفسد تقديره , واختل تصوره . فإن الله الذي جعل الابتلاء سنة ليمتحن إيمان المؤمن ويميز بين الصادقين والكاذبين ; هو الذي جعل أخذ المسيئين سنة لا تتبدل ولا تتخلف ولا تحيد .

وهذا هو الإيقاع الثاني في مطلع السورة , الذي يوازن الإيقاع الأول ويعادله . فإذا كانت الفتنة سنة جارية لامتحان القلوب وتمحيص الصفوف , فخيبة المسيئين وأخذ المفسدين سنة جارية لا بد أن تجيء .

أما الإيقاع الثالث فيتمثل في تطمين الذين يرجون لقاء الله , ووصل قلوبهم به في ثقة وفي يقين:

من الاية 6 الى الاية 7

وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7)

(من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت , وهو السميع العليم). .

فلتقر القلوب الراجية في لقاء الله ولتطمئن ; ولتنتظر ما وعدها الله إياه , انتظار الواثق المستيقن ; ولتتطلع إلى يوم اللقاء في شوق ولكن في يقين .

والتعبير يصور هذه القلوب المتطلعة إلى لقاء الله صورة موحية . صورة الراجي المشتاق , الموصول بما هناك . ويجيب على التطلع بالتوكيد المريح . ويعقب عليه بالطمأنينة الندية , يدخلها في تلك القلوب . فإن الله يسمع لها , ويعلم تطلعها: (وهو السميع العليم).

والإيقاع الرابع يواجه القلوب التي تحتمل تكاليف الإيمان , ومشاق الجهاد , بأنها إنما تجاهد لنفسها ولخيرها ولاستكمال فضائلها , ولإصلاح أمرها وحياتها ; وإلا فما بالله من حاجة إلى أحد , وإنه لغنى عن كل أحد:

(ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه , إن الله لغني عن العالمين). .

فإذا كتب الله على المؤمنين الفتنة وكلفهم أن يجاهدوا أنفسهم لتثبت على احتمال المشاق , فإنما ذلك لإصلاحهم , وتكميلهم , وتحقيق الخير لهم في الدنيا والآخرة . والجهاد يصلح من نفس المجاهد وقلبه ; ويرفع من تصوراته وآفاقه ; ويستعلي به على الشح بالنفس والمال , ويستجيش أفضل ما في كيانه من مزايا واستعدادات . وذلك كله قبل أن يتجاوز به شخصه إلى الجماعة المؤمنة , وما يعود عليها من صلاح حالها , واستقرار الحق بينها , وغلبة الخير فيها على الشر , والصلاح فيها على الفساد .

(ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه).

فلا يقفن أحد في وسط الطريق , وقد مضى في الجهاد شوطا ; يطلب من الله ثمن جهاده ; ويمن عليه وعلى دعوته , ويستبطئ المكافأة على ما ناله ! فإن الله لا يناله من جهاده شيء . وليس في حاجة إلى جهد بشر ضعيف هزيل: (إن الله لغني عن العالمين). وإنما هو فضل من الله أن يعينه في جهاده , وأن يستخلفه في الأرض به , وأن يأجره في الآخرة بثوابه:

(والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم , ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون).

فليطمئن المؤمنون العاملون على ما لهم عند الله , من تكفير للسيئات , وجزاء على الحسنات . وليصبروا على تكاليف الجهاد ; وليثبتوا على الفتنة والابتلاء ; فالأمل المشرق والجزاء الطيب , ينتظرانهم في نهاية المطاف . وإنه لحسب المؤمن حتى لو فاته في الحياة الانتصاف .

الدرس الثاني:8 - 9 الإبتلاء بالوالدين والإحسان إليهما

ثم يجيء إلى لون من ألوان الفتنة أشرنا إليه في مطلع السورة:فتنة الأهل والأحباء . فيفصل في الموقف الدقيق بالقول الحازم الوسط , لا إفراط فيه ولا تفريط:

(ووصينا الإنسان بوالديه حسنا . وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما , إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون . والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين). .

إن الوالدين لأقرب الأقرباء . وإن لهما لفضلا , وإن لهما لرحما ; وإن لهما لواجبا مفروضا:واجب الحب والكرامة والإحترام والكفالة . ولكن ليس لهما من طاعة في حق الله . وهذا هو الصراط: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا . وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما). .

إن الصلة في الله هي الصلة الأولى , والرابطة في الله هي العروة الوثقى . فإن كان الوالدان مشركين فلهما الإحسان
من الاية 8 الى الاية 10

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (Cool وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10)

والرعاية , لا الطاعة ولا الاتباع . وإن هي إلا الحياة الدنيا ثم يعود الجميع إلى الله .

(إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون). .

ويفصل ما بين المؤمنين والمشركين . فإذا المؤمنون أهل ورفاق , ولو لم يعقد بينهم نسب ولا صهر:

(والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين). .

وهكذا يعود الموصولون بالله جماعة واحدة , كما هم في الحقيقة ; وتذهب روابط الدم والقرابة والنسب والصهر , وتنتهي بانتهاء الحياة الدنيا , فهي روابط عارضة لا أصيلة , لانقطاعها عن العروة الوثقى التي لا انفصام لها .

روى الترمذي عند تفسير هذه الآية أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - وأمه حمنة بنت أبي سفيان , وكان بارا بأمه . فقالت له:ما هذا الدين الذي أحدثت ? والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت , فتتعير بذلك أبد الدهر , يقال:يا قاتل أمه . ثم إنها مكثت يوما وليلة لم تأكل ولم تشرب , فجاء سعد إليها وقال:يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني , فكلي إن شئت , وإن شئت فلا تأكلي . فلما أيست منه أكلت وشربت . فأنزل الله هذه الآية آمرا بالبر بالوالدين والإحسان إليهما , وعدم طاعتهما في الشرك .

وهكذا انتصر الإيمان على فتنة القرابة والرحم ; واستبقي الإحسان والبر . وإن المؤمن لعرضة لمثل هذه الفتنة في كل آن ; فليكن بيان الله وفعل سعد هما راية النجاة والأمان .

الدرس الثالث:10 - 11 موقف بعض الناس من الفتنة وغروره بالرخاء

ثم يرسم صورة كاملة لنموذج من النفوس في استقبال فتنة الإيذاء بالاستخذاء , ثم الادعاء العريض عند الرخاء . يرسمها في كلمات معدودات , صورة واضحة الملامح بارزة السمات:

(ومن الناس من يقول:آمنا بالله . فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن:إنا كنا معكم . أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين ? وليعلمن الله الذين آمنوا , وليعلمن المنافقين). .

ذلك النموذج من الناس , يعلن كلمة الإيمان في الرخاء يحسبها خفيفة الحمل , هينة المؤونة , لا تكلف إلا نطقها باللسان ,(فإذا أوذي في الله)بسبب الكلمة التي قالها وهو آمن معافى(جعل فتنة الناس كعذاب الله)فاستقبلها في جزع , واختلت في نفسه القيم , واهتزت في ضميره العقيدة ; وتصور أن لا عذاب بعد هذا الأذى الذي يلقاه , حتى عذاب الله ; وقال في نفسه:ها هو ذا عذاب شديد أليم ليس وراءه شيء , فعلام أصبر على الإيمان , وعذاب الله لا يزيد على ما أنا فيه من عذاب ? وإن هو إلا الخلط بين أذى يقدر على مثله البشر , وعذاب الله الذي لا يعرف أحد مداه .

هذا موقف ذلك النموذج من الناس في استقبال الفتنة في ساعة الشدة .

(ولئن جاء نصر من ربك ليقولن:إنا كنا معكم)!

إنا كنا معكم . . وذلك كان موقفهم في ساعة العسرة من التخاذل والتهافت والتهاوي , وسوء التصوير وخطأ التقدير . ولكن حين يجيء الرخاء تنبث الدعوى العريضة , وينتفش المنزوون المتخاذلون , ويستأسد الضعفاء المهزومون , فيقولون: إنا كنا معكم !

(أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين ?). .

من الاية 11 الى الاية 13

وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13)

أو ليس يعلم ما تنطوي عليه تلك الصدور من صبر أو جزع , ومن إيمان أو نفاق ? فمن الذي يخدعه هؤلاء وعلى من يموهون ?

(وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين). .

وليكشفنهم فيعرفون ; فما كانت الفتنة إلا ليتبين الذين آمنوا ويتبين المنافقون .

ونقف لحظة أمام التعبير القرآني الدقيق وهو يكشف عن موضع الخطأ في هذا النموذج من الناس حين يقول: (جعل فتنة الناس كعذاب الله). .

فليست الغلطة أن صبرهم قد ضعف عن احتمال العذاب , فمثل هذا يقع للمؤمنين الصادقين في بعض اللحظات - وللطاقة البشرية حدود - ولكنهم يظلون يفرقون تفرقة واضحة في تصورهم وشعورهم بين كل ما يملكه البشر لهم من أذى وتنكيل , وبين عذاب الله العظيم ; فلا يختلط في حسهم أبدا عالم الفناء الصغير وعالم الخلود الكبير , حتى في اللحظة التي يتجاوز عذاب الناس لهم مدي الطاقة وجهد الاحتمال . . . إن الله في حس المؤمن لا يقوم له شيء , مهما تجاوز الأذى طاقته واحتماله . . وهذا هو مفرق الطريق بين الإيمان في القلوب والنفاق .

الدرس الرابع:12 - 13 فردية التبعة يوم القيامة

وأخيرا يعرض فتنة الإغواء والإغراء ; ويعرض معها فساد تصور الذين كفروا للتبعة والجزاء ; ويقرر فردية التبعة وشخصية الجزاء وهو المبدأ الإسلامي الكبير , الذي يحقق العدل في أجلى مظاهره , وأفضل أوضاعه:

وقال الذين كفروا للذين آمنوا:اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم . و ما هم بحاملين من خطاياهم من شيء . إنهم لكاذبون . وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم , وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون . .

وقد كان الذين كفروا يقولون هذا تمشيا مع تصورهم القبلي في احتمال العشيرة للديات المشتركة والتبعات المشتركة . يحسبون أنهم قادرون على احتمال جريرة الشرك بالله عن سواهم وإعفائهم منها . ذلك إلى التهكم على قصة الجزاء في الآخرة إطلاقا:

(اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم). .

ومن ثم يرد عليهم الرد الحاسم , فيرد كل إنسان إلى ربه فردا , يؤاخذه بعمله , لا يحمل أحد عنه شيئا:

(وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء). .

ويجبهم بما في قولتهم هذه من كذب وادعاء:

(إنهم لكاذبون). .

ويحملهم وزر ضلالهم وشركهم وافترائهم , ووزر إضلالهم للآخرين . دون أن يعفي هؤلاء من تبعة الضلال:

(وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم . وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون).

ويغلق هذا الباب من أبواب الفتنة ; فيعلم الناس أن الله لا يحاسبهم جماعات . إنما يحاسبهم أفرادا , وأن كل امرىء بما كسب رهين . .

الوحدة الثانية:12 - 45 الموضوع:الفتنة والإبتلاء من خلال القصص القرآني مقدمة الوحدة

انتهى الشوط الأول بالحديث عن سنة الله في ابتلاء الذين يختارون كلمة الإيمان , وفتنتهم حتى يعلم الذين صدقوا منهم ويعلم الكاذبين . وقد أشار إلى الفتنة بالأذى , والفتنة بالقرابة , والفتنة بالإغواء والإغراء .

وفي هذا الشوط يعرض نماذج من الفتن التي اعترضت دعوة الإيمان في تاريخ البشرية الطويل من لدن نوح

من الاية 14 الى الاية 15

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (15)

عليه السلام . يعرضها ممثلة فيما لقيه الرسل حملة دعوة الله منذ فجر البشرية . مفصلا بعض الشيء في قصة إبراهيم ولوط , مجملا فيما عداها .

وفي هذا القصص تتمثل ألوان من الفتن , ومن الصعاب والعقبات في طريق الدعوة .

ففي قصة نوح - عليه السلام - تتبدى ضخامة الجهد وضآلة الحصيلة , فقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما , ثم لم يؤمن له إلا القليل (فأخذهم الطوفان وهم ظالمون). .

وفي قصة إبراهيم مع قومه يتبدى سوء الجزاء وطغيان الضلال . فقد حاول هداهم ما استطاع , وجادلهم بالحجة والمنطق: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا:اقتلوه أو حرقوه).

وفي قصة لوط يتبدى تبجح الرذيلة واستعلانها , وسفورها بلا حياء ولا تحرج , وانحدار البشرية إلى الدرك الأسفل من الانحراف والشذوذ ; مع الاستهتار بالنذير: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا:ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين). .

وفي قصة شعيب مع مدين يتبدى الفساد والتمرد على الحق والعدل , والتكذيبSadفأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين).

وتذكر الإشارة إلى عاد وثمود بالاعتزاز بالقوة والبطر بالنعمة .

كما تذكر الإشارة إلى قارون وفرعون وهامان بطغيان المال , واستبداد الحكم , وتمرد النفاق .

ويعقب على هذا القصص بمثل يضربه لهوان القوى المرصودة في طريق دعوة الله , وهي مهما علت واستطالت (كمثل العنكبوت اتخذت بيتا . وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون).

وينتهي هذ الشوط بدعوة الرسول [ ص ] أن يتلو الكتاب , وأن يقيم الصلاة , وأن يدع الأمر بعد ذلك لله (والله يعلم ما تصنعون). .

الدرس الأول 14 - 15 دعوة للنظر في طول المدة التي مكث فيها نوح عليه السلام يدعو فيها قومه

(ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما , فأخذهم الطوفان وهم ظالمون . فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين). .

والراجح أن فترة رسالته التي دعا فيها قومه كانت ألف سنة إلا خمسين عاما . وقد سبقتها فترة قبل الرسالة غير محددة , وأعقبتها فترة كذلك بعد النجاة من الطوفان غير محددة . وهو عمر طويل مديد , يبدو لنا الآن غير طبيعي ولا مألوف في أعمار الأفراد . ولكننا نتلقاه من أصدق مصدر في هذا الوجود - وهذا وحده برهان صدقه - فإذا أردنا له تفسيرا فإننا نستطيع أن نقول:إن عدد البشرية يومذاك كان قليلا ومحدودا , فليس ببعيد أن يعوض الله هذه الأجيال عن كثرة العدد طول العمر , لعمارة الأرض وامتداد الحياة . حتى إذا تكاثر الناس وعمرت الأرض لم يعد هناك داع لطول الأعمار وهذه الظاهرة ملحوظة في أعمار كثير من الأحياء . فكلما قل العدد وقل النسل طالت الأعمار , كما في النسور وبعض الزواحف كالسلحفاة . حتى ليبلغ عمر بعضها مئات الأعوام . بينما الذباب الذي يتوالد بالملايين لا تعيش الواحدة منه أكثر من أسبوعين . والشاعر يعبر عن هذه الظاهرة بقوله:

بغاث الطير أكثرها فراخا وأم الصقر مقلاة نزور

من الاية 16 الى الاية 17

وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17)

ومن ثم يطول عمر الصقر . وتقل أعمار بغاث الطير . ولله الحكمة البالغة . وكل شيء عنده بمقدار . ولم تثمر ألف سنة - إلا خمسين عاما - غير العدد القليل الذين آمنوا لنوح . وجرف الطوفان الكثرة العظمى وهم ظالمون بكفرهم وجحودهم وإعراضهم عن الدعوة المديدة , ونجا العدد القليل من المؤمنين , وهم أصحاب السفينة . ومضت قصة الطوفان والسفينة (آية للعالمين)تحدثهم عن عاقبة الكفر والظلم على مدار القرون .

الدرس الثاني:15 دعوة لعبادة الله وحده وشكره فالله بيده الرزق وحده

وبعد قصة نوح يطوي السياق القرون حتى يصل إلى الرسالة الكبرى . رسالة إبراهيم:

وإبراهيم إذ قال لقومه:اعبدوا الله واتقوه . ذلكم خير لكم إن كنت تعلمون . إنما تعبدون من دون الله أوثانا , وتخلقون إفكا . إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه , واشكروا له , إليه ترجعون . وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم , وما على الرسول إلا البلاغ المبين . .

لقد دعاهم دعوة بسيطة واضحة لا تعقيد فيها ولا غموض ; وهي مرتبة في عرضها ترتيبا دقيقا يحسن أن يتملاه أصحاب الدعوات . .

لقد بدأ ببيان حقيقة الدعوة التي يدعوهم إليها:

(اعبدوا الله واتقوه). .

ثم ثنى بتحبيب هذه الحقيقة إليهم , وما تتضمنه من الخير لهم , لو كانوا يعلمون أين يكون الخير:

(ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون). .

وفي هذا التعقيب ما يحفزهم إلى نفي الجهل عنهم , واختيار الخير لأنفسهم . وهو في الوقت ذاته حقيقة عميقة لا مجرد تهييج خطابي !

وفي الخطوة الثالثة بين لهم فساد ما هم عليه من العقيدة من عدة وجوه:أولها أنهم يعبدون من دون الله أوثانا - والوثن:التمثال من الخشب - وهي عبادة سخيفة , وبخاصة إذا كانوا يعدلون بها عن عبادة الله . . وثانيها:أنهم بهذه العبادة لا يستندون إلى برهان أودليل , وإنما يخلقون إفكا وينشئون باطلا , يخلقونه خلقا بلا سابقة أو مقدمة , وينشئونه إنشاء من عند أنفسهم بلا أصل ولا قاعدة . . وثالثها:أن هذه الأوثان لا تقدم لهم نفعا , ولا ترزقهم شيئا:

(إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا). .

وفي الخطوة الرابعة يوجههم إلى الله ليطلبوا منه الرزق . الأمر الذي يهمهم ويمس حاجتهم:

(فابتغوا عند الله الرزق). .

والرزق مشغلة النفوس , وبخاصة تلك التي لم يستغرقها الإيمان . و لكن ابتغاء الرزق من الله وحده حقيقة لا مجرد استثارة للميول الكامنة في النفوس .

وفي النهاية يهتف بهم إلى واهب الأرزاق المتفضل بالنعم , ليعبدوه ويشكروه:

(واعبدوه واشكروا له). .

وأخيرا يكشف لهم أنه لا مفر من الله , فمن الخير أن يثوبوا إليه مؤمنين عابدين شاكرين:

(إليه ترجعون). .

فإن كذبوا - بعد ذلك كله - فما أهون ذلك ! فلن يضر الله شيئا , ولن يخسر رسوله شيئا . فقد كذب

من الاية 18 الى الاية 19

وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19)

الكثيرون من قبل , وما على الرسول إلا واجب التبليغ:

وإن تكذبوا قفد كذب أمم من قبلكم , وما على الرسول إلا البلاغ المبين . .

وهكذا يأخذهم خطوة خطوة , ويدخل إلى قلوبهم من مداخلها , ويوقع على أوتارها في دقة عميقة , وهذه الخطوات تعد نموذجا لطريقة الدعوة جديرا بأن يتملاه أصحاب كل دعوة , لينسجوا على منواله في مخاطبة النفوس والقلوب .

الدرس الثالث:16 - 23 دعوة الكفار للنظر في التاريخ والكون

وقبل أن يمضي السياق إلى نهاية القصة , يقف وقفة يخاطب بها كل منكر لدعوة الإيمان بالله على الإطلاق ; المكذبين بالرجعة إلى الله والبعث والمآب:

أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده ? إن ذلك على الله يسير . قل:سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق , ثم الله ينشى ء النشأة الآخرة , إن الله على كل شيء قدير , يعذب من يشاء ويرحم من يشاء , وإليه تقلبون . وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء , وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير . والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي , وأولئك لهم عذاب أليم . .

إنه خطاب لكل منكر لله ولقائه . خطاب دليله هذا الكون ; ومجاله السماء والأرض ; على طريقة القرآن في اتخاذ الكون كله معرضا لآيات الإيمان ودلائله ; وصفحة مفتوحة للحواس والقلوب , تبحث فيها عن آيات الله , وترى دلائل وجوده ووحدانيته , وصدق وعده ووعيده . ومشاهد الكون وظواهره حاضرة أبدا لا تغيب عن إنسان . ولكنها تفقد جدتها في نفوس الناس بطول الألفة ; ويضعف إيقاعها على قلوب البشر بطول التكرار . فيردهم القرآن الكريم إلى تلك الروعة الغامرة , وإلى تلك الآيات الباهرة بتوجيهه الموحي , المحيي للمشاهد والظواهر في القلوب والضمائر , ويثير تطلعهم وانتباههم إلى أسرارها وآثارها . ويجعل منها دلائله وبراهينه التي تراها الأبصار وتتأثر بها المشاعر , ولا يتخذ طرائق الجدل الذهني البارد والقضايا المنطقية التي لا حياة فيها ولاحركة . . تلك التي وفدت على التفكير الإسلامي من خارجه فظلت غريبة عليه , وفي القرآن المثل والمنهج والطريق . .

أو لم يروا كيف يبدى ء الله الخلق ? ثم يعيده . إن ذلك على الله يسير . .

وإنهم ليرون كيف يبدى ء الله الخلق . يرونه في النبتة النامية . وفي البيضة والجنين , وفي كل ما لم يكن ثم يكون ; مما لا تملك قدرة البشر مجتمعين ومنفردين أن يخلقوه أو يدعوا أنهم خالقوه ! وإن سر الحياة وحده لمعجز , كان وما يزال ; معجز في معرفة منشئه وكيف جاء - ودع عنك أن يحاوله أحد أو يدعيه - ولا تفسير له إلا أنه من صنع الله الذي يبدى ء الخلق في كل لحظة تحت أعين الناس وإدراكهم , وهم يرون ولا يملكون الإنكار !

فإذا كانوا يرون إنشاء الخلق بأعينهم ; فالذي أنشأه يعيده:

(إن ذلك على الله يسير). .

وليس في خلق الله شيء عسير عليه تعالى . ولكنه يقيس للبشر بمقاييسهم . فالإعادة أيسر من البدء في تقديرهم . وإلا فالبدء كالإعادة , والإعادة كالبدء بالقياس إلى قدرة الله سبحانه . وإنما هو توجه الإرادة وكلمة:كن فيكون . .

ثم يدعوهم إلى السير في الأرض , وتتبع صنع الله وآياته في الخلق والإنشاء , في الجامد والحي سواء , ليدركوا أن الذي أنشأ يعيد بلا عناء:

من الاية 20 الى الاية 20

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)

(قل:سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ; ثم الله ينشىء النشأة الآخرة . إن الله على كل شيء قدير). .

والسير في الأرض يفتح العين والقلب على المشاهد الجديدة التي لم تألفها العين ولم يملها القلب . وهي لفتة عميقة إلى حقيقة دقيقة . وإن الإنسان ليعيش في المكان الذي ألفه فلا يكاد ينتبه إلى شيء من مشاهده أو عجائبه ; حتى إذا سافر وتنقل وساح استيقظ حسه وقلبه إلى كل مشهد , وإلى كل مظهر في الأرض الجديدة , مما كان يمر على مثله أو أروع منه في موطنه دون التفات ولا انتباه . وربما عاد إلى موطنه بحس جديد وروح جديد ليبحث ويتأمل ويعجب بما لم يكن يهتم به قبل سفره وغيبته . وعادت مشاهد موطنه وعجائبها تنطق له بعد ما كان غافلا عن حديثها ; أو كانت لا تفصح له بشى ء ولا تناجيه !

فسبحان منزل هذا القرآن , الخبير بمداخل القلوب وأسرار النفوس .

(قل:سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق). .

إن التعبير هنا بلفظ الماضي (كيف بدأ الخلق)بعد الأمر بالسير في الأرض لينظروا كيف بدأ الخلق . يثير في النفس خاطرا معينا . . ترى هنالك في الأرض ما يدل على نشأة الحياة الأولى , وكيفية بدء الخليقة فيها . كالحفريات التي يتتبعها بعض العلماء اليوم ليعرفوا منها خط الحياة ; كيف نشأت ? وكيف انتشرت ? وكيف ارتقت ? - وإن كانوا لم يصلوا إلى شيء في معرفة سر الحياة:ما هي ? , ومن أين جاءت إلى الأرض ? وكيف وجد فيها أول كائن حي ? - ويكون ذلك توجيها من الله للبحث عن نشأة الحياة الأولى والاستدلال به عند معرفتها على النشأة الآخرة . .

ويقوم بجانب هذا الخاطر خاطر آخر . ذلك أن المخاطبين بهذه الآية أول مرة لم يكونوا مؤهلين لمثل هذا البحث العلمي الذي نشأ حديثا ; فلم يكونوا بمستطيعين يومئذ أن يصلوا من ورائه إلى الحقيقة المقصودة به - لو كان ذلك هو المقصود - فلا بد أن القرآن كان يطلب منهم أمرا آخر داخلا في مقدورهم , يحصلون منه على ما ييسر لهم تصور النشأة الآخرة . ويكون المطلوب حينئذ أن ينظروا كيف تبدأ الحياة في النبات والحيوان والإنسان في كل مكان . ويكون السير في الأرض كما أسلفنا لتنبيه الحواس والمشاعر برؤية المشاهد الجديدة , ودعوتها إلى التأمل والتدبر في آثار قدرة الله على إنشاء الحياة التي تبرز في كل لحظة من لحظات الليل والنهار .

وهناك احتمال أهم يتمشى مع طبيعة هذ القرآن ; وهو أنه يوجه توجيهاته التي تناسب حياة الناس في أجيالهم جميعا , ومستواياتهم جميعا , وملابسات حياتهم جميعا , ووسائلهم جميعا . ليأخذ كل منها بما تؤهله له ظروف حياته ومقدراته . ويبقى فيها امتداد يصلح لقيادة الحياة ونموها أبدا . ومن ثم لا يكون هناك تعارض بين الخاطرين .

هذا أقرب وأولى .

(إن الله على كل شيء قدير). .

يبدأ الحياة ويعيدها بهذه القدرة المطلقة التي لا تتقيد بتصورات البشر القاصرة , وما يحسبونه قوانين يقيسون عليها الممكن وغير الممكن , بما يعرفونه من تجاربهم المحدودة !

ومن قدرة الله على كل شيء:تعذيبه لمن يشاء ورحمته لمن يشاء , وإليه وحده المآب ; لا يعجزه أحد , ولا يمتنع عليه أحد:

(يعذب من يشاء ويرحم من يشاء , وإليه تقلبون . وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء . وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير). .

كمال العطار
كمال العطار
مدير المنتدي
مدير المنتدي

عدد المساهمات : 5682
تاريخ التسجيل : 11/05/2011

https://reydalsalhen.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى