منتدي رياض الصالحين
اهلا وسهلا بكل السادة الزوار ونرحب بكم بمنتديات رياض الصالحين ويشرفنا ويسعدنا انضمامكم لاسرة المنتدي

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

منتدي رياض الصالحين
اهلا وسهلا بكل السادة الزوار ونرحب بكم بمنتديات رياض الصالحين ويشرفنا ويسعدنا انضمامكم لاسرة المنتدي
منتدي رياض الصالحين
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

تفسير سورة ص ايه رقم 1 الى 38 الشيخ سيد قطب

اذهب الى الأسفل

تفسير سورة ص ايه رقم 1 الى 38 الشيخ سيد قطب Empty تفسير سورة ص ايه رقم 1 الى 38 الشيخ سيد قطب

مُساهمة  كمال العطار الأربعاء يونيو 13, 2012 4:02 am

من الاية 1 الى الاية 3

ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3)

سورة ص

الوحدة الأولى:1 - 16 تعريف بسورة ص

هذه السورة مكية , تعالج من موضوعات السور المكية قضية التوحيد , وقضية الوحي إلى محمد [ ص ] وقضية الحساب في الآخرة . وتعرض هذه القضايا الثلاث في مطلعها الذي يؤلف الشوط الأول منها . وهو الآيات الكريمة التي فوق هذا الكلام . وهي تمثل الدهش والاستغراب والمفاجأة التي تلقى بها كبار المشركين في مكة دعوة النبي [ ص ] لهم إلى توحيد الله ; وإخبارهم بقصة الوحي واختيارهرسولاً من عند الله: (وعجبوا أن جاءهم منذر منهم . وقال الكافرون هذا ساحر كذاب , أجعل الآلهة إلهاً واحداً:إن هذا لشيء عجاب . وانطلق الملأ منهم:أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد . ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق . أأنزل عليه الذكر من بيننا ?). . كما تمثل استهزاءهم واستنكارهم لما أوعدهم به جزاء تكذيبهم من عذابSadوقالوا:ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب). .

لقد استكثروا أن يختار الله - سبحانه - رجلاً منهم , لينزل عليه الذكر من بينهم . وأن يكون هذا الرجل هو محمد بن عبد الله . الذي لم تسبق له رياسة فيهم ولا إمارة ! ومن ثم ساءلهم الله في مطلع السورة تعقيباً على استكثارهم هذا واستنكارهم وقولهم: (أأنزل عليه الذكر من بيننا)ساءلهمSadأم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب ? أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما ? فليرتقوا في الأسباب). . ليقول لهم:إن رحمة الله لا يمسكها شيء إذا أراد الله أن يفتحها على من يشاء . وإنه ليس للبشر شيء من ملك السماوات والأرض , وإنما يفتح الله من رزقه ورحمته على من يشاء وإنه يختار من عباده من يعلم استحقاقهم للخير , وينعم عليهم بشتى الإنعامات بلا قيد ولا حد , ولا حساب . . وفي هذا السياق جاءت قصة داود وقصة سليمان ; وما أغدق الله عليهما من النبوة والملك , ومن تسخير الجبال والطير , وتسخير الجن والريح , فوق الملك وخزائن الأرض والسلطان والمتاع .

وهما - مع هذا كله - بشر من البشر ; يدركهما ضعف البشر وعجز البشر ; فتتداركهما رحمة الله ورعايته , وتسد ضعفهما وعجزهما , وتقبل منهما التوبة والإنابة , وتسدد خطاهما في الطريق إلى الله .

وجاء مع القصتين توجيه النبي [ ص ] إلى الصبر على ما يلقاه من المكذبين , والتطلع إلى فضل الله ورعايته كما تمثلهما قصة داود وقصة سليمان: (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب . . . )الخ. .

كذلك جاءت قصة أيوب تصور ابتلاء الله للمخلصين من عباده بالضراء . وصبر أيوب مثل في الصبر رفيع . وتصور حسن العاقبة , وتداركه برحمة الله , تغمره بفيضها , وتمسح على آلامه بيدها الحانية . . وفي عرضها تأسية للرسول [ ص ] وللمؤمنين , عما كانوا يلقونه من الضر والبأساء في مكة ; وتوجيه إلى ما وراء الابتلاء من رحمة , تفيض من خزائن الله عندما يشاء .

وهذا القصص يستغرق معظم السورة بعد المقدمة , ويؤلف الشوط الثاني منها .

كذلك تتضمن السورة رداً على استعجالهم بالعذاب , وقولهم: (ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب). . فيعرض بها - بعد القصص - مشهد من مشاهد القيامة , يصور النعيم الذي ينتظر المتقين . والجحيم التي تنتظر المكذبين . ويكشف عن استقرار القيم الحقيقية في الآخرة بين هؤلاء وهؤلاء . حين يرى الملأ المتكبرون مصيرهم ومصير الفقراء الضعاف الذين كانوا يهزأون بهم في الأرض ويسخرون , ويستكثرون عليهم أن تنالهم رحمة الله , وهم ليسوا من العظماء ولا الكبراء . وبينما المتقون لهم حسن مآب(جنات عدن مفتحة لهم الأبواب , متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب . وعندهم قاصرات الطرف أتراب). . فإن للطاغين لشر مآب(جهنم يصلونها فبئس المهاد . هذا فليذوقوه حميم وغساق , وآخر من شكله أزواج). . وهم يتلاعنون في جهنم ويتخاصمون , ويذكرون كيف كانوا يسخرون بالمؤمنينSadوقالوا:ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار . أتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار ?)فإنهم لا يجدونهم في جهنم . وقد عُرف أنهم هنالك في الجنان ! فهذا هو جواب ذلك الاستعجال والاستهزاء !

وهذا المشهد يؤلف الشوط الثالث في السورة .

كما يرد على استنكارهم لما يخبرهم به الرسول [ ص ] من أمر الوحي . ويتمثل هذا الرد في قصة آدم في الملأ الأعلى . حيث لم يكن النبي [ ص ] حاضراً ; إنما هو إخبار الله له بما كان , مما لم يشهده - غير آدم - إنسان . . وفي ثنايا القصة يتبين أن الذي أردى إبليس , وذهب به إلى الطرد واللعنة , كان هو حسده لآدم - عليه السلام - واستكثاره أن يؤثره الله عليه ويصطفيه . كما أنهم هم يستكثرون على محمد [ ص ] أن يصطفيه الله من بينهم بتنزيل الذكر ; ففي موقفهم شبه واضح من موقف إبليس المطرود اللعين !

وتختم السورة بختام هذا الشوط الرابع والأخير فيها ; بقول النبي [ ص ] لهم:إن ما يدعوهم إليه لا يتكلفه من عنده , ولا يطلب عليه أجراً , وإن له شأناً عظيماً سوف يتجلىSadقل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين . إن هو إلا ذكر للعالمين . ولتعلمن نبأه بعد حين). .

هذه الأشواط الأربعة التي تجري بموضوعات السورة هذا المجرى ; تجول بالقلب البشري في مصارع الغابرين , الذين طغوا وتجبروا واستعلوا على الرسل والمؤمنين , ثم انتهوا إلى الهزيمة والدمار والخذلانSadجند ما هنالك مهزوم من الأحزاب . كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد . وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب . إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب). .

تعرض على القلب البشري هذه الصفحة . صفحة الهزيمة والدمار والهلاك للطغاة المكذبين . ثم تعرض بإزائها صفحة العز والتمكين والرحمة والرعاية لعباد الله المختارين , في قصص داود وسليمان وأيوب .

هذا وذلك في واقع الأرض . . ثم تطوف بهذا القلب في يوم القيامة وما وراءه من صور النعيم والرضوان . وصور الجحيم والغضب . حيث يرى لوناً آخر مما يلقاه الفريقان في دار البقاء . بعدما لقياه في دار الفناء . .

والجولة الأخيرة في قصة البشرية الأولى وقصة الحسد والغواية من العدو الأول , الذي يقود خطى الضالين عن عمد وعن سابق إصرار . وهم غافلون .

كذلك ترد في ثنايا القصص لفتة تلمس القلب البشري وتوقظه إلى الحق الكامن في بناء السماء والأرض . وأنه الحق الذي يريد الله بإرسال الرسل أن يقره بين الناس في الأرض . فهذا من ذلك: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً). . وهي لفتة لها في القرآن نظائر . وهي حقيقة أصيلة من حقائق هذه العقيدة التي هي مادة القرآن المكي الأصيلة . .

والآن نأخذ في التفصيل . .

الدرس الأول:1 - 3 إثبات ربانية القرآن وتهديد الكفار المنكرين

(ص . والقرآن ذي الذكر . بل الذين كفروا في عزة وشقاق . كم أهلكنا من قبلهم من قرن , فنادوا ولات حين مناص). .

هذا الحرف . .(صاد)يقسم به الله سبحانه كما يقسم بالقرآن ذي الذكر . وهذا الحرف من صنعة الله تعالى . فهو موجده . موجده صوتاً في حناجر البشر ; وموجده حرفاً من حروف الهجاء التي يتألف من جنسها التعبير القرآني . وهي في متناول البشر ولكن القرآن ليس في متناولهم لأنه من عند الله . وهو متضمن صنعة اللهالتي لا يملك البشر الإتيان بمثلها لا في القرآن ولا في غير القرآن . وهذا الصوت . .(صاد). . الذي تخرجه حنجرة الإنسان , إنما يخرج هكذا من هذه ال00حنجرة بقدرة الخالق المبدع , الذي صنع الحنجرة وما تخرجه من أصوات . وما يملك البشر أن يصنعوا مثل هذه الحنجرة الحية التي تخرج هذه الأصوات ! وإنها لمعجزة خارقة لو كان الناس يتدبرون الخوارق المعجزة في كل جزئية من جزئيات كيانهم القريب ! ولو عقلوها ما دهشوا لوحي يوحيه الله لبشر يختاره منهم . فالوحي ليس أكثر غرابة من إيداع تكوينهم هذه الخصائص المعجزات !

صاد . والقرآن ذي الذكر . .

والقرآن يشتمل الذكر كما يشتمل غيره من التشريع والقصص والتهذيب . . ولكن الذكر والاتجاه إلى الله هو الأول . وهو الحقيقة الأولى في هذا القرآن . بل إن التشريع والقصص وغيرهما إن هي إلا بعض هذا الذكر . فكلها تذكر بالله وتوجه القلب إليه في هذا القرآن . وقد يكون معنى ذي الذكر . أي المذكور المشهور . وهو وصف أصيل للقرآن:

(بل الذين كفروا في عزة وشقاق). .

وهذا الإضراب في التعبير يلفت النظر . فهو يبدو كأنه انقطاع عن الموضوع الأول . موضوع القسم بصاد وبالقرآن ذي الذكر . هذا القسم الذي لم يتم في ظاهر التعبير . لأن المقسم عليه لم يذكر واكتفى بالمقسم به ثم أخذ يتحدث بعده عن المشركين . وما هم فيه من استكبار ومن مشاقة . ولكن هذا الانقطاع عن القضية الأولى هو انقطاع ظاهري , يزيد الاهتمام بالقضية التي تليه . لقد أقسم بصاد وبالقرآن ذي الذكر . فدل على أنه أمر عظيم , يستحق أن يقسم به الله سبحانه . ثم عرض إلى جانب هذا استكبار المشركين ومشاقتهم في هذا القرآن . فهي قضية واحدة قبل حرف الإضراب(بل)وبعده . ولكن هذا الالتفات في الأسلوب يوجه النظر بشدة إلى المفارقة بين تعظيم الله - سبحانه - لهذا القرآن , واستكبار المشركين عنه ومشاقتهم فيه . وهو أمر عظيم !

وعقب على الاستكبار والمشاقة , بصفحة الهلاك والدمار لمن كان قبلهم , ممن كذبوا مثلهم , واستكبروا استكبارهم , وشاقوا مشاقتهم . ومشهدهم وهم يستغيثون فلا يغاثون , وقد تخلى عنهم الاستكبار وأدركتهم الذلة , وتخلوا عن الشقاق ولجأوا إلى الاستعطاف . ولكن بعد فوات الأوان:

(كم أهلكنا من قبلهم من قرن , فنادوا , ولات حين مناص)!

فلعلهم حين يتملون هذه الصفحة أن يطامنوا من كبريائهم ; وأن يرجعوا عن شقاقهم . وأن يتمثلوا أنفسهم في موقف أولئك القرون . ينادون ويستغيثون . وفي الوقت أمامهم فسحة , قبل أن ينادوا ويستغيثوا , ولات حين مناص . ولا موضع حينذاك للغوث ولا للخلاص !

الدرس الثاني:4 - 7 شبهات الكفار حول القرآن ومواجهتهم للرسول

يطرق قلوبهم تلك الطرقة , ويوقع عليها هذا الإيقاع قبل أن يعرض تفصيل تلك العزة وهذا الشقاق . . ثم يفصل الأمر ويحكي ما هم فيه من عزة وشقاق:

(وعجبوا أن جاءهم منذر منهم , وقال الكافرون:هذا ساحر كذاب . أجعل الآلهة إلهاً واحداً ? إن هذا لشيء عجاب ! وانطلق الملأ منهم:أن امشوا واصبروا على آلهتكم . إن هذا لشيء يراد . ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة . إن هذا إلا اختلاق). .

هذه هي العزة: (أأنزل عليه الذكر من بيننا). . وذلك هو الشقاق: (أجعل الآلهة إلهاً واحداً . . ?). .

من الاية 4 الى الاية 4

وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4)

(ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة . . !). . (هذا ساحر كذاب). . (إن هذا إلا اختلاق). . الخ . الخ . .

وقصة العجب من أن يكون الرسول بشراً قصة قديمة , مكرورة معادة , قالها كل قوم وتعللوا بها منذ بدء الرسالات . وتكرر إرسال الرسل من البشر ; وظل البشر مع هذا يكررون الاعتراض:

(وعجبوا أن جاءهم منذر منهم). .

وأوجب شيء وأقرب شيء إلى الحكمة والمنطق أن يكون المنذر منهم . بشراً يدرك كيف يفكر البشر وكيف يشعرون ; ويحس ما يعتلج في نفوسهم , وما يشتجر في كيانهم , وما يعانون من نقص وضعف , وما يجدون من ميول ونزعات , وما يستطيعون أو لا يستطيعون من جهد وعمل , وما يعترضهم من عوائق وعقبات , وما يعتريهم من مؤثرات واستجابات . .

بشراً يعيش بين البشر - وهو منهم - فتكون حياته قدوة لهم ; وتكون لهم فيه أسوة . وهم يحسون أنه واحد منهم , وأن بينهم وبينه شبهاً وصلة . فهم مطالبون إذن بالمنهج الذي يأخذ به نفسه , ويدعوهم لاتباعه . وهم قادرون على الأخذ بهذا المنهج فقد حققه أمامهم بشر منهم في واقع حياته . . .

بشراً منهم . من جيلهم . ومن لسانهم . يعرف مصطلحاتهم وعاداتهم وتقاليدهم وتفصيلات حياتهم . ويعرفون لغته , ويفهمون عنه , ويتفاهمون معه , ويتجاوبون وإياه . ومن ثم لا تقوم بينه وبينهم جفوة من اختلاف جنسه . أو اختلاف لغته . أو اختلاف طبيعة حياته أو تفصيلات حياته .

ولكن أوجب شيء وأقربه إلى أن يكون , هو الذي كان دائماً موضع العجب , ومحط الاستنكار , وموضوع التكذيب ! ذلك أنهم كانوا لا يدركون حكمة هذا الاختيار ; كما كانوا يخطئون تصور طبيعة الرسالة . وبدلاً من أن يروها قيادة واقعية للبشرية في الطريق إلى الله . كانوا يتصورونها خيالية غامضة محوطة بالأسرار التى لايصح أن تكون مفهومة هكذا وقريبة ! كانوا يريدونها مثلاً خيالية طائرة لا تلمس بالأيدي , ولا تبصر في النور , ولا تدرك في وضوح , ولا تعيش واقعية في دنيا الناس ! وعندئد يستجيبون لها كأسطورة غامضة كما كانوا يستجيبون للأساطير التي تؤلف عقائدهم المتهافتة !

ولكن الله أراد للبشرية - وبخاصة في الرسالة الأخيرة - أن تعيش بهذه الرسالة عيشة طبيعية واقعية . عيشة طيبة ونظيفة وعالية , ولكنها حقيقة في هذه الأرض . لا وهماً ولا خيالاً ولا مثلاً طائراً في سماء الأساطير والأحلام ! يعز على التحقيق ويهرب في ضباب الخيالات والأوهام !

(وقال الكافرون:هذا ساحر كذاب). .

قالوا كذلك استبعاداً لأن يكون الله قد أوحى إلى رجل منهم . وقالوه كذلك تنفيراً للعامة من محمد [ ص ] وتهويشاً على الحق الواضح في حديثه , والصدق المعروف عن شخصه .

والحق الذي لا مرية فيه أن كبراء قريش لم يصدقوا أنفسهم لحظة وهم يقولون عن محمد بن عبدالله [ ص ] الذي يعرفونه حق المعرفة:إنه ساحر وإنه كذاب ! إنما كان هذا سلاحاً من أسلحة التهويش والتضليل وحرب الخداع التي يتقنها الكبراء ; ويتخذونها لحماية أنفسهم ومراكزهم من خطر الحق الذي يتمثل في هذه العقيدة ; ويزلزل القيم الزائفة والأوضاع الباطلة التي يستند إليها أولئك الكبراء !

ولقد نقلنا من قبل وننقل هنا واقعة الاتفاق بين كبراء قريش على استخدام حرب الدعاية ضد محمد [ ص ] والحق الذي جاء به , لحماية أنفسهم وأوضاعهم بين الجماهير في مكة . ولصد القبائل التي كانت تفد إلى مكة في موسم الحج , عن الدين الجديد وصاحبه [ ص ] .

من الاية 5 الى الاية 6

أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6)

قال ابن إسحاق:إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش - وكان ذا سن فيهم - وقد حضر الموسم . فقال لهم:يا معشر قريش , إنه قد حضر هذا الموسم , وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه , وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا , فأجمعوا فيه رأياً واحداً , ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً , ويرد قولكم بعضه بعضاً . قالوا:فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأياً نقل به . قال:بل أنتم فقولوا أسمع . قالوا:نقول:كاهن . قال:لا والله ما هو بكاهن , لقد رأينا الكهان , فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه . قالوا:فنقول:مجنون . قال:ما هو بمجنون , لقد رأينا الجنون وعرفناه , فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته . قالوا:فنقول:شاعر . قال:ما هو بشاعر , لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه , فما هو بالشعر . قالوا:فنقول:ساحر . قال:ما هو بساحر , لقد رأينا السحار وسحرهم , فما هو بنفثهم ولا عقدهم . قالوا:فما نقول يا أبا عبد شمس ? قال:والله إن لقوله لحلاوة , وإن أصله لعذق , وإن فرعه لجناة . وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل , وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا:هو ساحر , جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه , وبين المرء وأخيه , وبين المرء وزوجته , وبين المرء وعشيرته . فتفرقوا عنه بذلك , فجعلوا يجلسون بسبل الناس - حين قدموا الموسم - لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه , وذكروا له أمره . .

فذلك كان شأن الملأ من قريش في قولهم:ساحر كذاب . وهم يعلمون أنهم يكذبون فيما يقولون . ويعرفون أنه لم يكن [ ص ] بساحر ولا كذاب !

وعجبوا كذلك من دعوته إياهم إلى عبادة الله الواحد . وهي أصدق كلمة وأحقها بالاستماع:

(أجعل الآلهة إلهاً واحداً ? إن هذا لشيء عجاب . وانطلق الملأ منهم:أن امشوا واصبروا على آلهتكم , إن هذا لشيء يراد . ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق). .

ويصور التعبير القرآني مدى دهشتهم من هذه الحقيقة الفطرية القريبة . . (أجعل الآلهة إلهاً واحداً ?)كأنه الأمر الذي لا يتصوره متصور ! (إن هذا لشيء عجاب). . حتى البناء اللفظي(عجاب)يوحي بشدة العجب وضخامته وتضخيمه !

كما يصور طريقتهم في مقاومة هذه الحقيقة في نفوس الجماهير , وتثبيتهم على ما هم عليه من عقيدة موروثة متهافتة . وإيهامهم أن وراء الدعوة الجديدة خبيئاً غير ظاهرها ; وأنهم هم الكبراء العليمون ببواطن الأمور , مدركون لما وراء هذه الدعوة من خبيء !(وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد). . فليس هو الدين , وليست هي العقيدة , إنما هو شيء آخر يراد من وراء هذه الدعوة . شيء ينبغي أن تدعه الجماهير لأربابه , ولمن يحسنون فهم المخبآت وإدراك المناورات ! وتنصرف هي إلى عادتها الموروثة , وآلهتها المعروفة , ولا تعني نفسها بما وراء المناورة الجديدة ! فهناك أربابها الكفيلون بمقاومتها . فلتطمئن الجماهير , فالكبراء ساهرون على مصالحهم وعقائدهم وآلهتهم !

إنها الطريقة المألوفة المكرورة التي يصرف بها الطغاة جماهيرهم عن الاهتمام بالشؤون العامة , والبحث وراء الحقيقة , وتدبر ما يواجههم من حقائق خطرة . ذلك أن اشتغال الجماهير بمعرفة الحقائق بأنفسهم خطر على الطغاة , وخطر على الكبراء , وكشف للأباطيل التي يغرقون فيها الجماهير . وهم لا يعيشون إلا بإغراق الجماهير في الأباطيل !

من الاية 7 الى الاية 7

مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7)

ثم يموهون على الناس بظواهر العقيدة القريبة منهم . عقيدة أهل الكتاب . بعدما دخلت إليها الأساطير التي حرفتها عن التوحيد الخالص فيقولون:

(ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة . إن هذا إلا اختلاق).

وكانت عقيدة التثليث قد شاعت في المسيحية . وأسطورة العزير قد شاعت كذلك في اليهودية . فكبراء قريش كانوا يشيرون إلى هذا وهم يقولون: (ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة). . ما سمعنا بهذا التوحيد المطلق لله . الذي جاء به محمد [ ص ] فما يقول إذن إلا اختلاقاً !

ولقد حرص الإسلام حرصا شديداً على تجريد عقيدة التوحيد وتخليصها من كل ما علق بها من الأساطير والأوشاب والانحرافات التي طرأت على العقائد التي سبقته . حرص هذا الحرص لأن التوحيد حقيقة أولية كبيرة يقوم عليها هذا الوجود كله ; ويشهد بها هذا الوجود شهادة واضحة أكيدة . ولأن هذا التوحيد في الوقت ذاته قاعدة لا تصلح الحياة البشرية كلها في أصولها وفروعها إلا إذا قامت عليها .

ويحسن ونحن نستعرض مقاومة قريش لهذه العقيدة ودهشتها وعجبها من جعل الآلهة إلهاً واحداً . ومقاومة المشركين قبل قريش على مدار القرون ومدار الرسالات لهذه الحقيقة كذلك . وإصرار كل رسول عليها , وقيام كل رسالة على أساسها . والجهد الضخم الذي بذل في إقرار هذه الحقيقة في نفوس البشر على مدار الزمان . . يحسن أن نتوسع قليلاً في بيان قيمة هذه الحقيقة .

إنها حقيقة أولية كبيرة يقوم عليها الوجود , ويشهد بها كل ما في الوجود . .

إن وحدة النواميس الكونية التي تتحكم في هذا الكون الذي نراه واضحة ; وناطقة بأن الإرادة التي أنشأت هذه النواميس لا بد أن تكون واحدة . . وحيثما نظرنا إلى هذا الكون واجهتنا هذه الحقيقة , حقيقة وحدة النواميس . وحدة تشي بوحدة الإرادة .

كل ما في هذا الكون في حركة دائمة منتظمة . . الذرة الصغيرة وهي الوحدة الأولى لكل ما في الكون من شيء - حي أو غير حي - في حركة مستمرة . فهي مؤلفة من الكترونات تتحرك حول النواة المؤلفة من بروتونات . كما تدور الكواكب حول الشمس في المجموعة الشمسية . وكما تدور المجرة المؤلفة من مجموعات شمسية ومن كتل سديمية حول نفسها . . واتجاه الدورة في الكواكب وفي الشمس وفي المجرة اتجاه واحد من الغرب إلى الشرق . عكس دورة الساعة ! .

والعناصر التي تتكون منها الأرض وبقية الكواكب السيارة واحدة . وعناصر النجوم هي كذلك من عناصر الأرض . والعناصر مؤلفة من ذرات . والذرات مؤلفة من الكترونات وبروتونات ونيوترونات . . كلها مؤلفة من هذه اللبنات الثلاث بلا استثناء . .

" وفي الوقت الذي ترد فيه المادة إلى ثلاث لبنات . يرد العلماء "القوى " إلى أصل واحد:الضوء والحرارة . الأشعة السينية , الأشعة اللاسلكية , الأشعة الجيمية . وكل إشعاع في الدنيا . . كلها صور متعددة لقوة واحدة . تلك القوة المغناطيسية الكهربائية . إنها جميعاً تسير بسرعة واحدة , وما اختلافها إلا اختلاف موجة .

" المادة ثلاث لبنات . والقوى موجات متأصلات .

"ويأتي أينشتين وفي نظريته النسبية الخاصة , يكافىء بين المادة والقوى ويقول:إن المادة والقوى شيءسواء . وتخرج التجارب تصدق دعواه . وخرجت تجربة أخيرة صدقت دعواه بأعلى صوت تسمعه الدنيا . ذلك انفلاق الذرة في القنبلة اليودينوتية .

"المادة والقوى إذن شيء سواء" .

هذه هي الوحدة في تكوين الكون كما عرفها الإنسان أخيراً في تجاربه المحسوسة . . وهناك الوحدة الظاهرة في نظام الكون كما أشرنا إلى قانون الحركة الدائبة . ثم هي الحركة المنظمة المنسقة التي لا يشذ فيها شيء في هذا الكون . ولا يضطرب فيها شيء . . توازن هذه الحركة في جميع الكائنات بحيث لا يعطل بعضها بعضاً ولا يصدم بعضها بعضاً . وأقرب مثل هذه الكواكب والنجوم والمجرات الضخمة التي تسبح في الفضاء: (وكل في فلك يسبحون). . والتي تشهد بأن مجريها في هذا الفضاء , المنظم لحركتها وأبعادها ومواقعها واحد لا يتعدد , عارف بطبيعتها وحركتها . مقدر لهذا كله في تصميم هذا الكون العجيب .

ونكتفي بهذه اللمحة الخاطفة في تتبع حقيقة الوحدة التي ينطق بها نظام هذا الكون ويشهد بها كل ما فيه . وهي حقيقة لا يستقيم أمر هذه البشرية إلا عليها . فوضوح هذه الحقيقة في الضمير البشري ذو أهمية بالغة في تصور البشر للكون من حولهم , ولموضعهم هم في هذا الكون , ولعلاقتهم بكل ما فيه من أشياء وأحياء . ثم في تصورهم لله الواحد ولحقيقة ارتباطهم به , وبما عداه ومن عداه في هذا الوجود . . وكل ذلك ذو أهمية بالغة في تكييف مشاعر البشر وتصورهم لكل شؤون الحياة .

والمؤمن بالله الواحد , المدرك لمعنى هذه الوحدانية , يكيف علاقته بربه على هذا الأساس , ويضع علاقته بمن عدا الله وبما عداه , في موضعها الذي لا تتعداه . فلا تتوزع طاقاته ومشاعره بين آلهة مختلفة الأمزجة ! ولا بين متسلطين عليه غير الله ممن خلق الله !

والمؤمن بأن الله الواحد هو مصدر هذا الوجود الواحد يتعامل مع الوجود ومن فيه وما فيه على أساس من التعارف والتعاون والألفة والمودة , يجعل للحياة طعماً وشكلاً غير ما لها في نفس من لا يؤمن بهذه الوحدة , ولا يحسها بينه وبين كل ما حوله ومن حوله .

والمؤمن بوحدة الناموس الإلهي في الكون يتلقى تشريعات الله له وتوجيهاته تلقياً خاصاً , لينسق بين القانون الذي يحكم حياة البشر والناموس الذي يحكم الكون كله ; ويؤثر قانون الله , لأنه هو الذي ينسق بين حركة البشر وحركة الكون العام .

وعلى الجملة فإن إدراك هذه الحقيقة ضروري لصلاح الضمير البشري واستقامته واستنارته وتصالحه مع الكون من حوله . وتنسيق حركته مع الحركة الكونية العامة . ووضوح الارتباطات بينه وبين خالقه . ثم بينه وبين الكون حوله . ثم بينه وبين كل ما في الكون من أحياء ومن أشياء ! وما يتبع هذا من تأثرات أخلاقية وسلوكية واجتماعية وإنسانية عامة في كل مجال من مجالات الحياة .

ومن ثم كان هذا الحرص على إقرار عقيدة التوحيد . وكان هذا الجهد الموصول المكرور مع كل رسالة وكل رسول . وكان هذا الإصرار من الرسل - صلوات الله عليهم - على كلمة التوحيد بلا هوادة .

وفي القرآن الكريم يتضح الحرص والجهد والإصرار في تكرار عرض قضية التوحيد ومقتضياتها في السور المكية على وجه التخصيص وفي السور المدنية كذلك في صور تناسب طبيعة الموضوعات التي تعالجها السور المدنية .

وهذه هي الحقيقة التي كان المشركون يعجبون ذلك العجب من إصرار محمد [ ص ] عليها ويحاورونه فيها ويداورونه , ويعجبون الناس منه ومنها , ويصرفونهم عنها بكل وسيلة .

الدس الثالث:8 - 16 الرد على شبهات الكفار وتهديدهم بالعذاب ولفت النظر لمصارع السابقين

وقد مضوا بعد هذا يعجبون من اختياره [ ص ] ليكون رسولاً:

(أأنزل عليه الذكر من بيننا ?). .

وما كان في هذا من غرابة . ولكنه كان الحسد . الحسد الذي يدعو إلى العناد والمكابرة والشقاق .

قال ابن إسحاق:وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري , أنه حدث , أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام , والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة , خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله [ ص ] وهو يصلي من الليل في بيته . فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه , وكل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فتلاوموا , وقال بعضهم لبعض:لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً . ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه , فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوه أول مرة . ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فقال بعضهم لبعض . لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود فتعاهدوا على ذلك . ثم تفرقوا . . فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه , ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته , فقال:أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد . فقال:يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها , وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها . قال الأخنس:وأنا والذي حلفت به كذلك ! قال:ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه في بيته , فقال:يا أبا الحكم , ما رأيك فيما سمعت من محمد ? فقال:ماذا سمعت ? تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف:أطعموا فأطعمنا , وحملوا فحملنا , وأعطوا فأعطينا , حتى إذا تحاذينا على الركب , وكنا كفرسي رهان , قالوا:منا نبي يأتيه الوحي من السماء , فمتى ندرك هذه ? والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه ! فقام عنه الأخنس وتركه . .

فهو الحسد كما نرى . يقعد بأبي جهل عن الاعتراف بالحق الذي غالب نفسه عليه فغلبته ثلاث ليال ! هو الحسد أن يكون محمد قد بلغ إلى ما لا مطمع فيه لطامع . وهو السر في قولة من كانوا يقولون:

(أأنزل عليه الذكر من بيننا ?). .

وهم الذين كانوا يقولون: (لولا نزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم). . يقصدون بالقريتين مكة والطائف , وفيهما كان كبراء المشركين وعظماؤهم الحاكمون المسودون ; الذين كانوا يتطلعون إلى السيادة عن طريق الدين , كلما سمعوا أن نبياً جديداً قد أطل زمانه . والذين صدموا صدمة الحسد والكبر حينما اختار الله - على علم - نبيه محمداً [ ص ] وفتح له من أبواب رحمته وأفاض عليه من خزائنها ما علم أنه يستحقه دون العالمين .

ويرد على تساؤلهم ذاك رداً تفوح منه رائحة التهكم والإنذار والتهديد:

من الاية 8 الى الاية 12

أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (Cool أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10) جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12)

(بل هم في شك من ذكري . بل لما يذوقوا عذاب). .

إنهم يسألون: (أأنزل عليه الذكر من بيننا !). . وهم في شك من الذكر ذاته , لم تستيقن نفوسهم أنه من عند الله ; وإن كانوا يمارون في حقيقته , وهو فوق المألوف من قول البشر مما يعرفون .

ثم يضرب عن قولهم في الذكر , وعن شكهم فيه , ليستقبل بهم تهديداً بالعذاب , (بل لما يذوقوا عذاب). . وكأنما ليقول:إنهم يقولون ما يقولون لأنهم في منجاة بعد من العذاب ; فأما حين يذوقونه فلن يقولوا من هذا شيئاً , لأنهم حينئذ سيعرفون !

ثم يعقب على استكثارهم رحمة الله لمحمد في اختياره رسولاً من بينهم , بسؤالهم إن كانوا يملكون خزائن رحمة الله , حتى يتحكموا فيمن يعطون ومن يمنعون:

(أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب ?). .

ويندد بسوء أدبهم مع الله , وتدخلهم فيما ليس من شأن العبيد . والله يعطي من يشاء ويمنع من يريد . وهو العزيز القادر الذي لا يملك أحد أن يقف لإرادته . وهو الوهاب الكريم الذي لا ينفد عطاؤه .

وهم يستكثرون على محمد [ ص ] أن يختاره الله . فبأي حق وبأية صفة يوزعون عطاء الله ? وهم لا يملكون خزائن رحمته ?!

(أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما ?). .

وهي دعوى لا يجرؤون على ادعائها . ومالك السماوات والأرض وما بينهما هو الذي يمنح ويمنع , ويصطفي من يشاء ويختار . وإذ لم يكن لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فما بالهم يدخلون في شؤون المالك المتصرف فيما يملك بما يشاء ?

وعلى سبيل التهكم والتبكيت عقب على السؤال عما إذا كان لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما . بأنه إن كان الأمر كذلك (فليرتقوا في الأسباب). . ليشرفوا على السماوات والأرض وما بينهما , ويتحكموا في خزائن الله ; ويعطوا من يشاءون ويمنعوا من يشاءون كما هو مقتضى اعتراضهم على اختيار الله المالك المتصرف فيما يملك بما يشاء !

ثم أنهى هذا الفرض التهكمي بتقرير حقيقتهم الواقعية:

(جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب). .

إنهم ما يزيدون على أن يكونوا جنداً مهزوماً ملقى(هنالك)بعيدا لا يقرب من تصريف هذا الملك وتدبير تلك الخزائن . ولا شأن له فيما يجري في ملك الله ; ولا قدرة له على تغيير إرادة الله ; ولا قوة له على اعتراض مشيئة الله . . (جند ما). . جند مجهول منكر هين الشأن ,(مهزوم). . كأن الهزيمة صفة لازمة له , لاصقة به , مركبة في كيانه ! (من الأحزاب). . المختلفة الاتجاهات والأهواء !

وما يبلغ أعداء الله ورسوله إلا أن يكونوا في هذا الموضع الذي تصوره ظلال التعبير القرآني , الموحية بالعجز والضعف والبعد عن دائرة التصريف والتدبير . . مهما تبلغ قوتهم , ويتطاول بطشهم , ويتجبروا في الأرض فترة من الزمان .

ويضرب الله الأمثال لأولئك المتجبرين على مدار القرون ; فإذا هم(جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب):

(كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد , وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة . أولئك الأحزاب .

من الاية 13 الى الاية 16

وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14) وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاء إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ (15) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16)

إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب). .

فهذه أمثلة ممن سبقوا قريشاً في التاريخ . قوم نوح . وعاد . وفرعون صاحب الأهرام التي تقوم في الأرض كالأوتاد . وثمود . وقوم لوط . وقوم شعيب أصحاب الأيكة - الغابة الملتفة - (أولئك الأحزاب)! الذين كذبوا الرسل . فماذا كان من شأنهم وهم طغاة بغاة متجبرون ? . . (فحق عقاب). . وكان ما كان من أمرهم . وذهبوا فلم يبق منهم غير آثار تنطق بالهزيمة والاندحار !

ذلك كان شأن الأحزاب الغابرة في التاريخ . . فأما هؤلاء فمتروكون - في عمومهم - إلى الصيحة التي تنهي الحياة في الأرض قبيل يوم الحساب:

(وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق). .

هذه الصيحة إذا جاءت لا تستأخر ولو فترة قصيرة مقدار فواق ناقة . وهي المسافة بين الحلبتين ! لأنها تجيء في موعدها المحدد , الذي لا يستقدم ولا يستأخر . كما قدر الله لهذه الأمة الأخيرة أن ينظرها ويمهلها , فلا يأخذها بالدمار والهلاك كما أخذ من قبل أولئك الأحزاب .

وكان هذا رحمة بهم من الله . ولكنهم لم يعرفوا قدر هذه الرحمة , ولم يشكروا الله هذه المنة . فاستعجلوا جزاءهم , وطلبوا أن يوفيهم الله حظهم ونصيبهم , قبل اليوم الذي أنظرهم إليه:

(وقالوا:ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب). .

وعند هذا الحد يتركهم السياق ويلتفت إلى الرسول [ ص ] يسليه عن حماقة القوم وسوء أدبهم مع الله , واستعجالهم بالجزاء , وتكذيبهم بالوعيد , وكفرهم برحمة الله . . ويدعوه أن يذكر ما وقع للرسل قبله من ابتلاء . وما نالهم من رحمة الله بعد البلاء . .

الوحدة الثانية:17 - 48 الموضوع:قصص بعض الأنبياء

من الاية 17 الى الاية 17

اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17)

مقدمة الوحدة

هذا الدرس كله قصص وأمثلة من حياة الرسل - صلوات الله عليهم - تعرض كي يذكرها رسول الله [ ص ] ويدع ما يعانيه من قومه من تكذيب واتهام وتعجيب وافتراء ; ويصبر على ما يواجهونه به مما تضيق به الصدور .

وهذا القصص يعرض - في الوقت ذاته - آثار رحمة الله بالرسل قبله:وما أغدق عليهم من نعمة وفضل , وما آتاهم من ملك وسلطان ومن رعاية وإنعام . وذلك رداً على عجب قومه من اختيار الله له . وما هو ببدع من الرسل . وفيهم من آتاه الله إلى جانب الرسالة الملك والسلطان ; وفيهم من سخر له الجبال يسبحن معه والطير ; وفيهم من سخر له الريح والشياطين . . كداود وسليمان . . فما وجه العجب في أن يختار الله محمداً الصادق لينزل عليه الذكر من بين قريش في آخر الزمان ?

كذلك يصور هذا القصص رعاية الله الدائمة لرسله , وحياطتهم بتوجيهه وتأديبه . فقد كانوا بشراً - كما أن محمداً [ ص ] بشر - وكان فيهم ضعف البشر . وكان الله يرعاهم فلا يدعهم لضعفهم ; إنما يبين لهم ويوجههم , ويبتليهم ليغفر لهم ويكرمهم . وفي هذا ما يطمئن قلب الرسول [ ص ] إلى رعاية ربه له , وحمايته وحياطته في كل خطوة يخطوها في حياته .

الدرس الأول:17 ابتلاء داود وقومه وقصته مع الخصمين

(اصبر على ما يقولون , واذكر عبدنا داود ذا الأيد , إنه أواب إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق . والطير محشورة كل له أواب . وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب). .

(اصبر). . إنها الإشارة إلى الطريق المطروق في حياة الرسل - عليهم صلوات الله - الطريق الذي يضمهم أجمعين . فكلهم سار في هذا الطريق . كلهم عانى . وكلهم ابتلي . وكلهم صبر . وكان الصبر هو زادهم جميعاً وطابعهم جميعاً . كل حسب درجته في سلم الأنبياء . . لقد كانت حياتهم كلها تجربة مفعمة بالابتلاءات ; مفعمة بالآلام ; وحتى السراء كانت ابتلاء وكانت محكاً للصبر على النعماء بعد الصبر على الضراء . وكلتاهما في حاجة إلى الصبر والاحتمال . .

ونستعرض حياة الرسل جميعاً - كما قصها علينا القرآن الكريم - فنرى الصبر كان قوامها , وكان العنصر البارز فيها . ونرى الابتلاء والامتحان كان مادتها وماءها . .

لكأنما كانت تلك الحياة المختارة - بل إنها لكذلك - صفحات من الابتلاء والصبر معروضة للبشرية , لتسجل كيف تنتصر الروح الإنسانية على الآلام والضرورات ; وكيف تستعلي على كل ما تعتز به في الأرض ; وتتجرد من الشهوات والمغريات ; وتخلص لله وتنجح في امتحانه , وتختاره على كل شيء سواه . . ثم لتقول للبشرية في النهاية:هذا هو الطريق . هذا هو الطريق إلى الاستعلاء , وإلى الارتفاع . هذا هو الطريق إلى الله .

(اصبر على ما يقولون). . وقد قالوا: (هذا ساحر كذاب). . وقالواSadأجعل الآلهة إلهاً واحداً ? إن هذا لشيء عجاب). . وقالوا: (أأنزل عليه الذكر من بيننا ?). . وغير ذلك كثير . والله يوجه نبيه إلى الصبر على ما يقولون . ويوجهه إلى أن يعيش بقلبه مع نماذج أخرى غير هؤلاء الكفار . نماذج مستخلصة كريمة . هم إخوانه من الرسل الذين كان يذكرهم [ ص ] ويحس بالقرابة الوثيقة بينه وبينهم ; ويتحدث عنهم حديث الأخوة والنسب والقرابة . وهو يقول . . رحم الله أخي فلاناً . . أو أنا أولى بفلان .

(اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب). .

من الاية 18 الى الاية 21

إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21)

يذكر داود هنا بأنه ذو القوة . وبأنه أواب . . وقد جاء من قبل ذكر قوم نوح وعاد وفرعون ذي الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة . . وهم طغاة بغاة . كان مظهر قوتهم هو الطغيان والبغي والتكذيب . فأما داود فقد كان ذا قوة , ولكنه كان أواباً , يرجع إلى ربه طائعاً تائباً عابداً ذاكراً . وهو القوي ذو الأيد والسلطان .

وقد مضى في سورة البقرة بدء قصة داود , وظهوره في جيش طالوت , في بني إسرائيل - من بعد موسى - إذ قالوا لنبي لهم:ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله . فاختار لهم طالوت ملكاً . ولقي بهم عدوهم الجبار جالوت وجنوده . وقتل داود جالوت . وكان إذ ذاك فتى . ومنذ ذلك الحين ارتفع نجمه حتى ولي الملك أخيراً ; وأصبح ذا سلطان . ولكنه كان أواباً رجاعاً إلى ربه بالطاعة والعبادة والذكر والاستغفار .

ومع النبوة والملك آتاه الله من فضله قلباً ذاكراً وصوتاً رخيماً , يرجع به تراتيله التي يمجد فيها ربه . وبلغ من قوة استغراقه في الذكر , ومن حسن حظه في الترتيل , أن تزول الحواجز بين كيانه وكيان هذا الكون . وتتصل حقيقته بحقيقة الجبال والطير في صلتها كلها ببارئها , وتمجيدها له وعبادتها . فإذا الجبال تسبح معه , وإذا الطير مجموعة عليه , تسبح معه لمولاها ومولاه:

(إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق . والطير محشورة كل له أواب). .

ولقد يقف الناس مدهوشين أمام هذا النبأ . . الجبال الجامدة تسبح مع داود بالعشي والإشراق , حينما يخلو إلى ربه , يرتل ترانيمه في تمجيده وذكره . والطير تتجمع على نغماته لتسمع له وترجع معه أناشيده . . لقد يقف الناس مدهوشين للنبأ إذ يخالف مألوفهم , ويخالف ما اعتادوا أن يحسوه من العزلة بين جنس الإنسان , وجنس الطير , وجنس الجبال !

ولكن فيم الدهش ? وفيم العجب ? إن لهذه الخلائق كلها حقيقة واحدة . وراء تميز الأجناس والأشكال والصفات والسمات . . حقيقة واحدة يجتمعون فيها ببارىء الوجود كله:أحيائه وأشيائه جميعاً . وحين تصل صلة الإنسان بربه إلى درجة الخلوص والإشراق والصفاء , فإن تلك الحواجز تنزاح ; وتنساح الحقيقة المجردة لكل منهم . فتتصل من وراء حواجز الجنس والشكل والصفة والسمة التي تميزهم وتعزلهم في مألوف الحياة !

وقد وهب الله عبده داود هذه الخاصية ; وسخر الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق . وحشر عليه الطير ترجع مع ترانيمه تسبيحاً لله . وكانت هذه هبة فوق الملك والسلطان , مع النبوة والاستخلاص .

(وشددنا ملكه . وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب). .

فكان ملكه قوياً عزيزاً . وكان يسوسه بالحكمة والحزم جميعاً . وفصل الخطاب قطعه والجزم فيه برأي لا تردد فيه . وذلك مع الحكمة ومع القوة غاية الكمال في الحكم والسلطان في عالم الإنسان .

ومع هذا كله فقد تعرض داود للفتنة والابتلاء ; وكانت عين الله عليه لترعاه وتقود خطاه , وكانت يد الله معه تكشف له ضعفه وخطأه , وتوقيه خطر الطريق وتعلمه كيف يتوقاه:

(وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ? إذ دخلوا على داود ففزع منهم . قالوا:لا تخف . خصمان بغى بعضنا على بعض . فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط . واهدنا إلى سواء الصراط . إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة , فقال:أكفلنيها , وعزني في الخطاب . قال:لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه , وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات - وقليل ما هم - وظن داود أنما فتناه . فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب). .

من الاية 22 الى الاية 26

إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)

وبيان هذه الفتنة أن داود النبي الملك , كان يخصص بعض وقته للتصرف في شؤون الملك , وللقضاء بين الناس . ويخصص البعض الآخر للخلوة والعبادة وترتيل أناشيده تسبيحاً لله في المحراب . وكان إذا دخل المحراب للعبادة والخلوة لم يدخل إليه أحد حتى يخرج هو إلى الناس .

وفي ذات يوم فوجى ء بشخصين يتسوران المحراب المغلق عليه . ففزع منهم . فما يتسور المحراب هكذا مؤمن ولا أمين ! فبادرا يطمئنانه . (قالوا:لا تخف . خصمان بغى بعضنا على بعض). وجئنا للتقاضي أمامك (فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط). . وبدأ أحدهما فعرض خصومته: (إنّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة . فقال:أكفلنيها)[ أي اجعلها لي وفي ملكي وكفالتي ] (وعزني في الخطاب)[ أي شدد علي في القول وأغلظ ] .

والقضية - كما عرضها أحد الخصمين - تحمل ظلماً صارخاً مثيراً لا يحتمل التأويل . ومن ثم اندفع داود يقضي على إثر سماعه لهذه المظلمة الصارخة ; ولم يوجه إلى الخصم الآخر حديثاً , ولم يطلب إليه بياناً , ولم يسمع له حجة . ولكنه مضى يحكم: قال:لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه . وإن كثيراً من الخلطاء - [ أي الأقوياء المخالطين بعضهم لبعض ] - ليبغي بعضهم على بعض . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم . .

ويبدو أنه عند هذه المرحلة اختفى عنه الرجلان:فقد كانا ملكين جاءا للامتحان ! امتحان النبي الملك الذي ولاه الله أمر الناس , ليقضي بينهم بالحق والعدل , وليتبين الحق قبل إصدار الحكم . وقد اختارا أن يعرضا عليه القضية في صورة صارخة مثيرة . . ولكن القاضي عليه ألا يستثار , وعليه ألا يتعجل . وعليه ألا يأخذ بظاهر قول واحد . قبل أن يمنح الآخر فرصة للإدلاء بقوله وحجته ; فقد يتغير وجه المسألة كله , أو بعضه , وينكشف أن ذلك الظاهر كان خادعاً أو كاذباً أو ناقصاً !

عند هذا تنبه داود إلى أنه الابتلاء:

(وظن داود أنما فتناه). .

وهنا أدركته طبيعته . . إنه أواب . . (فاستغفر ربه وخرّ راكعاً وأناب). .

(فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب). . وخاضت بعض التفاسير مع الإسرائيليات حول هذه الفتنة خوضاً كبيراً . تتنزه عنه طبيعة النبوة . ولا يتفق إطلاقاً مع حقيقتها . حتى الروايات التي حاولت تخفيف تلك الأساطير سارت معها شوطاً . وهي لا تصلح للنظر من الأساس . ولا تتفق مع قول الله تعالى: (وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب). .

والتعقيب القرآني الذي جاء بعد القصة يكشف كذلك عن طبيعة الفتنة ; ويحدد التوجيه المقصود بها من الله لعبده الذي ولاه القضاء والحكم بين الناس:

(يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض , فاحكم بين الناس بالحق . ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله . إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد . بما نسوا يوم الحساب). .

فهي الخلافة في الأرض , والحكم بين الناس بالحق , وعدم اتباع الهوى . واتباع الهوى - فيما يختص بنبي - هو السير مع الانفعال الأول , وعدم التريث والتثبت والتبين . . مما ينتهي مع الاستطراد فيه إلى الضلال . أما عقب الآية المصور لعاقبة الضلال فهو حكم عام مطلق على نتائج الضلال عن سبيل الله . وهو نسيان الله والتعرض للعذاب الشديد يوم الحساب .

من الاية 27 الى الاية 34

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (29) وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ (34)

ومن رعاية الله لعبده داود , أنه نبهه عند أول لفتة . ورده عند أول اندفاعه . وحذره النهاي
كمال العطار
كمال العطار
مدير المنتدي
مدير المنتدي

عدد المساهمات : 5682
تاريخ التسجيل : 11/05/2011

https://reydalsalhen.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى