منتدي رياض الصالحين
اهلا وسهلا بكل السادة الزوار ونرحب بكم بمنتديات رياض الصالحين ويشرفنا ويسعدنا انضمامكم لاسرة المنتدي

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

منتدي رياض الصالحين
اهلا وسهلا بكل السادة الزوار ونرحب بكم بمنتديات رياض الصالحين ويشرفنا ويسعدنا انضمامكم لاسرة المنتدي
منتدي رياض الصالحين
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

تفسير سورة هود ايه 116 الى ايه اخر السورة الشيخ سيد قطب

اذهب الى الأسفل

تفسير سورة هود ايه 116 الى ايه اخر السورة الشيخ سيد قطب Empty تفسير سورة هود ايه 116 الى ايه اخر السورة الشيخ سيد قطب

مُساهمة  كمال العطار الإثنين مايو 14, 2012 2:08 am

من الاية 116 الى الاية 117

فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)

وما الأقوام ? وما العمران ? . . إن هي إلا حقول من الأناسي كحقول النبات . غرس منها يزكو وغرس منها خبيث ! غرس منها ينمو وغرس منها يموت !

(وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم). .

فهم قد عطلوا مداركهم , وتولوا عن الهدى , وكذبوا بالآيات , واستهزأوا بالوعيد , فصاروا إلى ما صاروا إليه ظالمين لأنفسهم لا مظلومين .

(فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك , وما زادوهم غير تتبيب). .

وهذا غرض آخر من أغراض هذا القصص . فقد افتتحت السورة بإنذار الذين يدينون لغير الله سبحانه ; وتكرر الإنذار مع كل رسول ; وقيل لهم:إن هذه الأرباب المفتراة لا تعصمهم من الله . . فها هي ذي العاقبة تصدق النذر . فلا تغني عنهم آلهتهم شيئا , ولا تدفع عنهم العذاب لما جاء أمر ربك , بل ما زادهم هؤلاء الآلهة إلا خسارة ودمارا . [ ولفظ تتبيب أقوى ببنائه اللفظي وجرسه المشدد ] ذلك أنهم اعتمدوا عليهم , فزادوا استهتارا وتكذيبا . فزادهم الله نكالا وتدميرا . فهذا معنى (ما زادوهم)فهم لا يملكون لهم ضرا كما أنهم لا يملكون لهم نفعا . ولكن بسببهم كانت الخسارة المضاعفة والتدمير المضاعف والنكال الشديد . .

(وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة). . .

كذلك الذي قصصناه عليك , وبمثل هذا الدمار والنكال يأخذ ربك القرى حين يأخذها وهي ظالمة . .

ظالمة:مشركة حين تدين لغير الله بالربوبية , وظالمة لنفسها بالشرك والفساد في الأرض والإعراض عن دعوة التوحيد والصلاح . وقد ساد فيها الظلم وسيطر الظالمون .

(إن أخذه أليم شديد). .

بعد الإمهال والمتاع والابتلاء , وبعد الإعذار بالرسل والبينات , وبعد أن يسود الظلم في الأمة ويسيطر الظالمون . ويتبين أن دعاة الحق المصلحين قلة منعزلة لا تأثير لها في حياة الجماعة الظالمة السادرة في الضلال . . ثم . . بعد أن تفاصل العصبة المؤمنة قومها السادرين في الضلال ; وتعتبر نفسها أمة وحدها لها دينها ولها ربها ولها قيادتها المؤمنة ولها ولاؤها الخاص فيما بينها . وتعلن الأمة المشركة من قومها بهذا كله , وتدعها تلاقي مصيرها الذي يقدره الله لها . وفق سنته التي لا تتخلف على مدار الزمان .

الدرس الثاني:103 - 108 مصير الأشقياء والسعداء يوم القيامة

ذلك الأخذ الأليم الشديد في الدنيا علامة على عذاب الآخرة , يراها من يخافون عذاب الآخرة , أي الذين تفتحت بصائرهم ليدركوا أن الذي يأخذ القرى بظلمها في هذه الحياة سيأخذها بذنوبها في الآخرة , فيخافوا هذا العذاب . . وهنا يعبر السياق بالقلب البشري من مشاهد الأرض إلى مشاهد القيامة على طريقة القرآن في وصل الرحلتين بلا فاصل في السياقSadإن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة . ذلك يوم مجموع له الناس , وذلك يوم مشهود . وما نؤخره إلا لأجل معدود . يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه , فمنهم شقي وسعيد . فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق . خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض - إلا ما شاء ربك - إن ربك فعال لما يريد . وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض - إلا ما شاء ربك - عطاء غير مجذوذ). .

(إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة). .

ففي ذلك الأخذ الأليم الشديد مشابه من عذاب الآخرة , تذكر بهذا اليوم وتخيف . .

وإن كان لا يراها إلا الذين يخافون الآخرة فتتفتح بصائرهم بهذه التقوى التي تجلو البصائر والقلوب . .

والذين لا يخافون الآخرة تظل قلوبهم صماء لا تتفتح للآيات , ولا تحس بحكمة الخلق والإعادة , ولا ترى إلا واقعها القريب في هذه الدنيا , وحتى العبر التي تمر في هذه الحياة لا تثير فيها عظة ولا فهما .

ثم يأخذ في وصف ذلك اليوم . .

(ذلك يوم مجموع له الناس , وذلك يوم مشهود). .

وهنا يرتسم مشهد التجميع يشمل الخلق جميعا , على غير إرادة منهم , إنما هو سوق الجميع سوقا إلى ذلك المعرض المشهود , والكل يحضر والكل ينتظر ما سوف يكون . .

(يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه). .

فالصمت الهائل يغشى الجميع , والرهبة الشاملة تخيم على المشهد ومن فيه . والكلام بإذن لا يجرؤ أحد على طلبه , ولكن يؤذن لمن شاء الله فيخرج من صمته بإذنه . . ثم تبدأ عملية الفرز والتوزيع:

(فمنهم شقي وسعيد). .

ومن خلال التعبير نشهد: (الذين شقوا)نشهدهم في النار مكروبي الأنفاس (لهم فيها زفير وشهيق)من الحر والكتمة والضيق . ونشهد (الذين سعدوا)نشهدهم في الجنة لهم فيها عطاء دائم غير مقطوع ولا ممنوع . .

هؤلاء وأولئك خالدون حيث هم (ما دامت السماوات والأرض). وهو تعبير يلقي في الذهن صفة الدوام والاستمرار . وللتعبير ظلال . وظل هذا التعبير هنا هو المقصود .

وقد علق السياق هذا الاستمرار بمشيئة الله في كلتا الحالتين . وكل قرار وكل سنة معلقة بمشيئة الله في النهاية . فمشيئة الله هي التي اقتضت السنة وليست مقيدة بها ولا محصورة فيها . إنما هي طليقة تبدل هذه السنة حين يشاء الله:

(إن ربك فعال لما يريد). .

وزاد السياق في حالة الذين سعدوا ما يطمئنهم إلى أن مشيئة الله اقتضت أن يكون عطاؤه لهم غير مقطوع , حتى على فرض تبديل إقامتهم في الجنة . وهو مطلق فرض يذكر لتقرير حرية المشيئة بعدما يوهم التقييد .

الدرس الثالث:109 - 111 مواساة وتطمين الرسول ومن معه بأنهم على الحق

بعد هذا الاستطراد إلى المصير في الآخرة , بمناسبة عرض مصائر الأقوام في الدنيا , والمشابه بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة , وتصوير ما ينتظر المكذبين هنا أو هناك , أو هنا ثم هناك . . يعود السياق بما يستفاد من القصص ومن المشاهد إلى الرسول [ ص ] والقلة المؤمنة معه في مكة - تسرية وتثبيتا ; وإلى المكذبين من قومه بيانا وتحذيرا . فليس هناك شك في أن القوم يعبدون ما كان آباؤهم يعبدون - شأنهم شأن أصحاب ذلك القصص وأصحاب تلك المصائر - ونصيبهم الذي يستحقونه سيوفونه . فإن كان قد أخر عنهم فقد أخر عذاب الاستئصال عن قوم موسى - بعد اختلافهم في دينهم - لأمر قد شاءه الله في إنظارهم . ولكن قوم موسى وقوم محمد على السواء سيوفون ما يستحقون , بعد الأجل , وفي الموعد المحدود . ولم يؤخر عنهم العذاب لأنهم على الحق . فهم على الباطل الذي كان عليه آباؤهم بكل تأكيد:

فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء . ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل . وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص .

ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه . ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم . وإنهم لفي شك منه مريب . وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم . . إنه بما يعملون خبير). .

لا يتسرب إلى نفسك شك في فساد عبادة هؤلاء . والخطاب للرسول [ ص ] والتحذير لقومه . وهذا الأسلوب أفعل في النفس أحيانا , لأنه يوحي بأنها قضية موضوعية يبينها الله لرسوله , وليست جدالا مع أحد , ولا خطابا للمتلبسين بها , إهمالا لهم وقلة انشغال بهم ! وعندئذ يكون لتلك الحقيقة الخالصة المجردة أثرها في اهتمامهم أكثر مما لو خوطبوا بها خطابا مباشرا . .

(فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء . ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل). .

ومصيرهم إذن كمصيرهم . . العذاب . . ولكنه يلفه كذلك في التعبير تمشيا مع الأسلوب:

(وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص). .

ومعروف نصيبهم هذا من نصيب القوم قبلهم . وقد رأينا منه نماذج ومشاهد !

وقد لا يصيبهم عذاب الاستئصال - في الدنيا - كما لم يصب قوم موسى:

(ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه). .

وتفرقت كلمتهم واعتقاداتهم وعباداتهم , ولكن كلمة سبقت من الله أن يكون حسابهم الكامل يوم القيامة:

(ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم). .

ولحكمة ما سبقت هذه الكلمة , ولم يحل عذاب الاستئصال بهم , لأن لهم كتابا , والذين لهم كتاب من أتباع الرسل كلهم مؤجلون إلى يوم القيامة , لأن الكتاب دليل هداية باق , تستطيع الأجيال أن تتدبره كالجيل الذي أنزل فيه . والأمر ليس كذلك في الخوارق المادية التي لا يشهدها إلا جيل , فإما أن يؤمن بها وإما أن لا يؤمن فيأخذه العذاب . . والتوراة والإنجيل كتابان متكاملان يظلان معروضين للأجيال حتى يجيء الكتاب الأخير , مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل فيصبح هو الكتاب الأخير للناس جميعا يدعى إليه الناس جميعا , ويحاسب على أساسه الناس جميعا , بما فيهم أهل التوراة وأهل الإنجيل .(وإنهم). . أي قوم موسى . . (لفي شك منه مريب). . من كتب موسى , لأنه لم يكتب إلا بعد أجيال , وتفرقت فيه الروايات واضطربت , فلا يقين فيه لمتبعيه .

وإذا كان العذاب قد أجل . . فإن الكل سيوفون أعمالهم خيرها وشرها . سيوفيهم بها العليم الخبير بها ولن تضيع:

وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم . إنه بما يعملون خبير "وفي التعبير توكيدات منوعة حتى لا يشك أحد في الجزاء والوفاء من جراء الإنظار والتأجيل . وحتى لا يشك أحد في أن ما عليه القوم هو الباطل الذي لا شك في بطلانه , وأنه الشرك الذي زاوله من قبل كل المشركين . .

ولقد كان لهذه التوكيدات ما يقتضيها من واقع الحركة في تلك الفترة . فقد وقف المشركون وقفتهم العنيدة منها ومن رسول الله [ ص ] والقلة المؤمنة معه , وتجمدت الدعوة على وجه التقريب . بينما عذاب الله الموعود مؤجل لم يقع بعد . والأذى ينزل بالعصبة المؤمنة ويمضي أعداؤها ناجين ! . . إنها فترة تهتزفيها بعض القلوب . وحتى القلوب الثابتة تنالها الوحشة , وتحتاج إلى مثل هذه التسرية وإلى مثل هذا التثبيت .

وتثبيت القلوب المؤمنة لا يكون بشيء كما يكون بتوكيد أن أعداءها هم أعداء الله , وأنهم على الباطل الذي لا شك فيه !

كذلك لا يكون تثبيت القلوب المؤمنة بشيء كما يكون بجلاء حكمة الله في إمهال الظالمين , وإرجاء الطغاة إلى يوم معلوم , ينالون فيه جزاءهم ولا يفلتون !

وهكذا نلمح مقتضيات الحركة بهذه العقيدة في النصوص القرآنية , ونرى كيف يخوض القرآن المعركة بالجماعة المسلمة , وكيف يكشف لها معالم الطريق !

الدرس الرابع:112 وصايا وتوجيهات للرسول ومن معه

ذلك البيان مع هذا التوكيد يلقي في النفس أن سنة الله ماضية على استقامتها في خلقه وفي دينه وفي وعده وفي و عيده . وإذن فليستقم المؤمنون بدين الله والداعون له على طريقتهم - كما أمروا - لا يغلون في الدين ولا يزيدون فيه , ولا يركنون إلى الظالمين مهما تكن قوتهم , ولا يدينون لغير الله مهما طال عليهم الطريق . ثم يتزودون بزاد الطريق , ويصبرون حتى تتحقق سنة الله عندما يريد .

(فاستقم كما أمرت - ومن تاب معك - ولا تطغوا . إنه بما تعملون بصير . ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار , وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون . وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل , إن الحسنات يذهبن السيئات , ذلك ذكرى للذاكرين , واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين). .

هذا الأمر للرسول [ ص ] ومن تاب معه:

(فاستقم كما أمرت). . أحس - عليه الصلاة والسلام - برهبته وقوته حتى روي عنه أنه قال مشيرا إليه:" شيبتني هود . . . " . فالاستقامة:الاعتدال والمضي على النهج دون انحراف . وهو في حاجة إلى اليقظة الدائمة , والتدبر الدائم , والتحري الدائم لحدود الطريق , وضبط الانفعالات البشرية التي تميل الاتجاه قليلا أو كثيرا . . ومن ثم فهي شغل دائم في كل حركة من حركات الحياة .

وإنه لمما يستحق الانتباه هنا أن النهي الذي أعقب الأمر بالاستقامة , لم يكن نهيا عن القصور والتقصير , إنما كان نهيا عن الطغيان والمجاوزة . . وذلك أن الأمر بالاستقامة وما يتبعه في الضمير من يقظة وتحرج قد ينتهي إلى الغلو والمبالغة التي تحول هذا الدين من يسر إلى عسر . والله يريد دينه كما أنزله , ويريد الاستقامة على ما أمر دون إفراط ولا غلو , فالإفراط والغلو يخرجان هذا الدين عن طبيعته كالتفريط والتقصير . وهي التفاتة ذات قيمة كبيرة , لإمساك النفوس على الصراط , بلا انحراف إلى الغلو أو الإهمال على السواء . .

(إنه بما تعملون بصير). .

والبصر - من البصيرة - مناسب في هذا الموضع , الذي تتحكم فيه البصيرة وحسن الإدراك والتقدير . .

فاستقم - أيها الرسول - كما أمرت . ومن تاب معك . . .

(ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار). .

لا تستندوا ولا تطمئنوا إلى الذين ظلموا . إلى الجبارين الطغاة الظالمين , أصحاب القوة في الأرض , الذين يقهرون العباد بقوتهم ويعبدونهم لغير الله من العبيد . . لا تركنوا إليهم فإن ركونهم إليهم يعني إقرارهم علىهذا المنكر الأكبر الذي يزاولونه , ومشاركتهم إثم ذلك المنكر الكبير .

(فتمسكم النار). .

جزاء هذا الانحراف .

(وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون). .

والاستقامة على الطريق في مثل هذه الفترة أمر شاق عسير يحتاج إلى زاد يعين . .

والله - سبحانه - يرشد رسوله [ ص ] ومن معه من القلة المؤمنة إلى زاد الطريق:

(وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل). .

ولقد علم الله أن هذا هو الزاد الذي يبقى حين يفنى كل زاد , والذي يقيم البنية الروحية , ويمسك القلوب على الحق الشاق التكاليف . ذلك أنه يصل هذه القلوب بربها الرحيم الودود , القريب المجيب , وينسم عليها نسمة الأنس في وحشتها وعزلتها في تلك الجاهلية النكدة الكنود !

والآية هنا تذكر طرفي النهار - وهما أوله وآخره , وزلفا من الليل أي قريبا من الليل . وهذه تشمل أوقات الصلاة المفروضة دون تحديد عددها . والعدد محدد بالسنة ومواقيته كذلك .

والنص يعقب على الأمر بإقامة الصلاة - أي أدائها كاملة مستوفاة - بأن الحسنات يذهبن السيئات . وهو نص عام يشمل كل حسنة , والصلاة من أعظم الحسنات , فهي داخلة فيه بالأولوية . لا أن الصلاة هي الحسنة التي تذهب السيئة بهذا التحديد - كما ذهب بعض المفسرين -:

(ذلك ذكرى للذاكرين). .

فالصلاة ذكر في أساسها ومن ثم ناسبها هذا التعقيب . .

والاستقامة في حاجة إلى الصبر . كما أن انتظار الأجل لتحقيق سنة الله في المكذبين يحتاج إلى الصبر . . ومن ثم كان التعقيب على الأمر بالاستقامة وعلى ما سبقه في السياق هو:

(واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين). .

والاستقامة إحسان . وإقامة الصلاة في أوقاتها إحسان . والصبر على كيد التكذيب إحسان . . . والله لا يضيع أجر المحسنين . . .

الدرس الخامس:116 - 117 إهلاك السابقين لعدم إصلاحهم ونهيهم عن الفساد

ثم يعود السياق إلى تكملة التعليق والتعقيب على مصارع القرى والقرون . فيشير من طرف خفي إلى أنه لو كان في هذه القرون أولو بقية يستبقون لأنفسهم الخير عند الله , فينهون عن الفساد في الأرض , ويصدون الظالمين عن الظلم , ما أخذ تلك القرى بعذاب الاستئصال الذي حل بهم , فإن الله لا يأخذ القرى بالظلم إذا كان أهلها مصلحين , أي إذا كان للمصلحين من أهلها قدرة يصدون بها الظلم والفساد , إنما كان في هذه القرى قلة من المؤمنين لا نفوذ لهم ولا قوة , فأنجاهم الله . وكان فيها كثرة من المترفين وأتباعهم والخانعين لهم , فأهلك القرى بأهلها الظالمين:

فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض ! إلا قليلا ممن أنجينا منهم , واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين . وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون . .

وهذه الإشارة تكشف عن سنة من سنن الله في الأمم . فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير الله , في صورة من صوره , فيجد من ينهض لدفعه هي أمم ناجية , لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير . فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون , ويفسد فيها المفسدون , فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد , أو يكون فيها من يستنكر , ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد , فإن سنة الله تحق عليها , إما بهلاك الاستئصال . وإما بهلاك الانحلال . . والاختلال !

فأصحاب الدعوة إلى ربوبية الله وحده , وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالدينونة لغيره , هم صمام الأمان للأمم والشعوب . . وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين لإقرار ربوبية الله وحده , الواقفين للظلم والفساد بكل صوره . . إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب , إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب الله , واستحقاق النكال والضياع . .

الدرس السادس:118 - 119 سنة الله في اختلاف الناس والفصل بينهم يوم القيامة

والتعقيب الأخير عن اختلاف البشر إلى الهدى وإلى الضلال , وسنة الله المستقيمة في اتجاهات خلقه إلى هذا أو ذاك:

(ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة . ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك - ولذلك خلقهم . وتمت كلمة ربك:لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين). .

لو شاء الله لخلق الناس كلهم على نسق واحد , وباستعداد واحد . . نسخا مكرورة لا تفاوت بينها ولا تنويع فيها . وهذه ليست طبيعة هذه الحياة المقدرة على هذه الأرض . وليست طبيعة هذا المخلوق البشري الذي استخلفه الله في الأرض .

ولقد شاء الله أن تتنوع استعدادات هذا المخلوق واتجاهاته . وأن يوهب القدرة على حرية الاتجاه . وأن يختار هو طريقه , ويحمل تبعة الاختيار . ويجازي على اختياره للهدى أوللضلال . . هكذا اقتضت سنة الله وجرت مشيئته . فالذي يختار الهدى كالذي يختار الضلال سواء في أنه تصرف حسب سنة الله في خلقه , ووفق مشيئته في أن يكون لهذا المخلوق أن يختار , وأن يلقى جزاء منهجه الذي اختار .

شاء الله ألا يكون الناس أمة واحدة . فكان من مقتضى هذا أن يكونوا مختلفين . وأن يبلغ هذا الاختلاف أن يكون في أصول العقيدة - إلا الذين أدركتهم رحمة الله - الذين اهتدوا إلى الحق - والحق لا يتعدد - فاتفقوا عليه . وهذا لا ينفي أنهم مختلفون مع أهل الضلال .

ومن المقابل الذي ذكره النص:

(وتمت كلمة ربك:لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين). .

يفهم أن الذين التقوا على الحق وأدركتهم رحمة الله لهم مصير آخر هو الجنة تمتليء بهم كما تمتليء جهنم بالضالين المختلفين مع أهل الحق , والمختلفين فيما بينهم على صنوف الباطل ومناهجه الكثيرة !

الدرس السابع:120 - 123 وظيفة القصص في تثبيت الفؤاد وانتظار الفرج من الله

والخاتمة الأخيرة . خطاب للرسول [ ص ] عن حكمة سوق القصص إليه في خاصة نفسه للمؤمنين . فأما الذين لا يؤمنون فليلق إليهم كلمته الأخيرة , وليفاصلهم مفاصلة حاسمة , وليخل بينهم وبين ما ينتظرهم في غيب الله . ثم ليعبد الله وليتوكل عليه , ويدع القوم لما يعملون . . من الاية 118 الى الاية 119

وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)

) وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك , وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين . وقل للذين لا يؤمنون:اعملوا على مكانتكم إنا عاملون , وانتظروا إنا منتظرون . ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله , فاعبده وتوكل عليه , وما ربك بغافل عما تعملون). .

ويا لله للرسول [ ص ] لقد كان يجد من قومه , ومن انحرافات النفوس , ومن أعباء الدعوة , ما يحتاج معه إلى التسلية والتسرية والتثبيت من ربه - وهو الصابر الثابت المطمئن إلى ربه -:

(وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك). .

وجاءك في هذه الحق. .

أي في هذه السورة . . الحق من أمر الدعوة , ومن قصص الرسل , ومن سنن الله , ومن تصديق البشرى والوعيد .

وموعظة وذكرى للمؤمنين. .

تعظهم بما سلف في القرون وتذكرهم بسنن الله وأوامره ونواهيه .

فأما الذين لا يؤمنون بعد ذلك فلا موعظة لهم ولا ذكرى . وإنما الكلمة الفاصلة , والمفاصلة الحاسمة:

(وقل للذين لا يؤمنون:اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون). .

كما قال أخ لك ممن سبق قصصهم في هذه السورة لقومه ثم تركهم لمصيرهم يلاقونه . . وما ينتظرونه غيب من غيب الله:

(ولله غيب السماوات والأرض). .

والأمر كله إليه . أمرك وأمر المؤمنين , وأمر الذين لا يؤمنون , وأمر هذا الخلق كله ما كان في غيبه وما سيكون .

(فاعبده). .

فهو الجدير وحده بالعبادة والدينونة .

وتوكل عليه . .

فهو الولي وحده والنصير . وهو العليم بما تعملون من خير وشر , ولن يضيع جزاء أحد:

(وما ربك بغافل عما تعملون). .

تعقيب على سورة هود

وهكذا تختم السورة التي بدئت بالتوحيد في العبادة , والتوبة والإنابة والرجعة إلى الله في النهاية . بمثل ما بدئت به من عبادة الله وحده والتوجه إليه وحده . والرجعة إليه في نهاية المطاف . وذلك بعد طول التطواف في آفاق الكون وأغوار النفس وأطواء القرون . .

وهكذا يلتقي جمال التنسيق الفني في البدء والختام , والتناسق بين القصص والسياق , بكمال النظرة والفكرة والاتجاه في هذا القرآن . ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا . .

وبعد . فإن المتتبع لسياق هذه السورة كلها - بل المتتبع للقرآن المكي كله - يجد أن هناك خطا أصيلا ثابتا عريضا عميقا , هو الذي ترتكز عليه ; وهو المحور الذي تدور حوله ; وإليه ترجع سائر خطوطها , وإليه
من الاية 120 الى آخر السورة

وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (122) وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)

تشد جميع خيوطها كذلك . . إنه خط العقيدة الذي يرتكز إليه هذا الدين كله . . وإنه محور العقيدة الذي يدور عليه هذا المنهج الرباني لحياة البشرية جملة وتفصيلا . .

وسنحتاج - في التعقيب الإجمالي على هذه السورة - أن نقف وقفات إجمالية كذلك على ذلك الخط وعلى هذا المحور - كما يتجلى في سياق السورة - وبعضها مما يكون قد سبق لنا الوقوف عنده شيئا ما . ولكننا في هذا التعقيب الإجمالي سنحتاج إلى الإلمام به , ربطا لأجزاء هذا التعقيب الأخير:

إن الحقيقة الأولى البارزة في سياق السورة كله . . سواء في مقدمتها التي تعرض مضمون الكتاب الذي أرسل به محمد [ ص ] أو في القصص الذي يعرض خط الحركة بالعقيدة الإسلامية على مدى االتاريخ البشري . أو في التعقيب الختامي الذي يوجه رسول الله [ ص ] إلى مواجهة المشركين بالنتائج النهائية المستخلصة من هذا القصص ومن مضمون الكتاب الذي جاءهم به في النهاية . .

إن الحقيقة الأولى البارزة في سياق السورة كله . . هي التركيز على الأمر بعبادة الله وحده , والنهي عن عبادة غيره . . وتقرير أن هذا هو الدين كله . . وإقامة الوعد والوعيد , والحساب والجزاء , والثواب والعقاب , على هذه القاعدة الواحدة الشاملة العريضة . . كما أسلفنا في تقديم السورة وفي مواضع متعددة من تفسيرها . .

فيبقى هنا أن نجلي أولا طريقة المنهج القرآني في تقرير هذه الحقيقة , وقيمة هذه الطريقة:

إن حقيقة توحيد العبادة لله ترد في صيغتين هكذا:

(يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . .). .

(ألا تعبدوا إلا الله , إنني لكم منه نذير وبشير . . .). .

وواضح اختلاف الصيغتين بين الأمر والنهي . . فهل مدلولهما واحد ? إن مدلول الصيغة الأولى:الأمر بعبادة الله , وتقرير أن ليس هناك إله يعبد سواه . . ومدلول الصيغة الثانية:النهي عن عبادة غير الله . .

والمدلول الثاني هو مقتضى المدلول الأول ومفهومه . . ولكن الأول "منطوق" والآخر "مفهوم" . . ولقد اقتضت حكمة الله - في بيان هذه الحقيقة الكبيرة - عدم الاكتفاء بالمفهوم , في النهي عن عبادة غير الله . وتقرير هذا النهي عن طريق منطوق مستقل . وإن كان مفهوما ومتضمنا في الأمر الأول !

إن هذا يعطينا إيحاء عميقا بقيمة تلك الحقيقة الكبيرة , ووزنها في ميزان الله سبحانه , بحيث تستحق ألا توكل إلى المفهوم المتضمن في الأمر بعبادة الله وتقرير أن لا إله يعبد سواه ; وأن يرد النهي عن عبادة سواه في منطوق مستقل يتضمن النهي بالنص المباشر لا بالمفهوم المتضمن ! ولا بالمقتضى اللازم !

كذلك تعطينا طريقة المنهج القرآني في تقرير تلك الحقيقة بشطريها . . عبادة الله . وعدم عبادة سواه . . أن النفس البشرية في حاجة إلى النص القاطع على شطري هذه الحقيقة سواء . وعدم الاكتفاء معها بالأمر بعبادة الله وتقرير أن لا إله يعبد سواه ; وإضافة النهي الصريح عن عبادة سواه إلى المفهوم الضمني الذي يتضمنه الأمر بعبادته وحده . . ذلك أن الناس يجيء عليهم زمان لا يجحدون الله , ولا يتركون عبادته , ولكنهم مع هذا - يعبدون معه غيره ; فيقعون في الشرك وهم يحسبون أنهم مسلمون !

ومن ثم جاء التعبير القرآني عن حقيقة التوحيد بالأمر وبالنهي معا ; بحيث يؤكد أحدهما الآخر , التوكيد الذي لا تبقى معه ثغرة ينفذ منها الشرك في صورة من صوره الكثيرة . .

وقد تكرر مثل هذا التعبير القرآني في مواضع شتى ; هذه نماذج منها من هذه السورة ومن سواها:

ألر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير:ألا تعبدوا إلا الله , إنني لكم منه نذير وبشير . . [ هود:1 - 2 ]

ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه:إني لكم نذير مبين:ألا تعبدوا إلا الله , إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم . . . [ هود:25 - 26 ]

وإلى عاد أخاهم هودا , قال:يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره , إن أنتم إلا مفترون . .

[ هود:50 ]

(وقال الله:لا تتخذوا إلهين اثنين . إنما هو إله واحد . فإياي فارهبون). . .

[ النحل:51 ]

(ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا . ولكن كان حنيفا مسلما . وما كان من المشركين). .

[ آل عمران:67 ]

(إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا . وما أنا من المشركين). . .

[ الأنعام:79 ]

وهو منهج مطرد في التعبير القرآني عن حقيقة التوحيد , له دلالته من غير شك . سواء في تجلية قيمة هذه الحقيقة وضخامتها التي تستدعي ألا توكل في أي جانب من جوانبها إلى المفهومات الضمنية والمقتضيات اللازمة , وإنما ينص نصا منطوقا على كل جانب فيها . أو في دلالة هذه الطريقة على علم الله - سبحانه - بطبيعة الكائن الإنساني , وحاجته في تقرير هذه الحقيقة الكبيرة , وصيانتها في حسه وتصوره من أية شبهة أو غبش , إلى التعبير الدقيق عنها على ذلك النحو , الذي يتجلى فيه القصد والعمد . . ولله الحكمة البالغة . . وهو أعلم بمن خلق , وهو اللطيف الخبير .

ثم نقف أمام مدلول مصطلح "العبادة " الوارد في السورة - وفي القرآن كله - لندرك ما وراء ذلك التركيز على الأمر بعبادة الله وحده , والنهي عن عبادة غيره . وما وراء هذه العناية في التعبير عن شطري هذه الحقيقة في نص منطوق , وعدم الاكتفاء بالدلالة الضمنية المفهومة .

لقد جلينا من قبل في أثناء التعقيب على قصة هود وقومه - في هذه السورة - ما هو مدلول مصطلح "العبادة " الذي استحق كل هذا التركيز وكل هذه العناية ; كما استحق كل ذلك الجهد من رهط الرسل الكرام , وكل تلك العذابات والآلام التي عاناها الدعاة إلى عبادة الله وحده على ممر الأيام . . فالآن نضيف إلى ذلك التعقيب بعض اللمحات:

إن إطلاق مصطلح "العبادات" على الشعائر وعلى ما يكون بين العبد والرب من تعامل , في مقابل إطلاقمصطلح:"المعاملات" على ما يكون بين الناس بعضهم وبعض من تعامل . . إن هذا جاء متأخرا عن عصر نزول القرآن الكريم ; ولم يكن هذا التقسيم معروفا في العهد الأول .

ولقد كتبنا من قبل في كتاب "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" شيئا عن تاريخ هذه المسألة نقتطف منه هذه الفقرات:

"إن تقسيم النشاط الإنساني إلى "عبادات" و "معاملات" مسألة جاءت متأخرة عن التأليف في مادة "الفقه" . ومع أنه كان المقصود به - في أول الأمر - مجرد التقسيم "الفني" الذي هو طابع التأليف العلمي , إلا أنه - مع الأسف - أنشأ فيما بعد آثارا سيئة في التصور , تبعها - بعد فترة - آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها ; إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن صفة "العبادة " إنما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط , الذي يتناوله "فقه العبادات" . بينما أخذت هذه الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط , الذي يتناوله "فقه المعاملات" ! وهو انحراف بالتصور الإسلامي لا شك فيه . فلا جرم يتبعه انحراف في الحياة كلها في المجتمع الإسلامي .

"ليس في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى "العبادة " أو لا يطلب فيه تحقيق هذا الوصف . والمنهج الإسلامي كله غايته تحقيق معنى العبادة , أولا وأخيرا .

"وليس هناك من هدف في المنهج الإسلامي لنظام الحكم , ونظام الاقتصاد , والتشريعات الجنائية , والتشريعات المدنية , وتشريعات الأسرة . وسائر التشريعات التي يتضمنها هذا المنهج . .

"ليس هناك من هدف إلا تحقيق معنى "العبادة " في حياة الإنسان . . والنشاط الإنساني لا يكون متصفا بهذا الوصف , محققا لهذه الغاية - التي يحدد القرآن أنها هي غاية الوجود الإنساني - إلا حين يتم هذا النشاط وفق المنهج الرباني ; فيتم بذلك إفراد الله - سبحانه - بالألوهية ; والاعتراف له وحده بالعبودية . . وإلا فهو خروج عن العبادة لأنه خروج عن العبودية . أي خروج عن غاية الوجود الإنساني كما أرادها الله . أي خروج عن دين الله !

"وأنواع النشاط التي أطلق عليها الفقهاء اسم "العبادات" وخصوها بهذه الصفة - على غير مفهوم التصور الإسلامي - حين تراجع في مواضعها في القرآن , تتبين حقيقة بارزة لا يمكن إغفالها . وهي أنها لم تجيء مفردة ولا معزولة عن أنواع النشاط الأخرى التي أطلق عليها الفقهاء اسم "المعاملات" . . إنما جاءت هذه وتلك مرتبطة في السياق القرآني , ومرتبطة في المنهج التوجيهي . باعتبار هذه كتلك شطرا من منهج "العبادة " التي هي غاية الوجود الإنساني , وتحقيقا لمعنى العبودية , ومعنى إفراد الله - سبحانه - بالألوهية .

"إن ذلك التقسيم - مع مرور الزمن - جعل بعض الناس يفهمون أنهم يملكون أن يكونوا "مسلمين" إذا هم أدوا نشاط "العبادات" - وفق أحكام الإسلام - بينما هم يزاولون كل نشاط "المعاملات" وفق منهج آخر . . لا يتلقونه من الله ولكن من إله آخر . . ! هو الذي يشرع لهم في شؤون الحياة ما لم يأذن به الله !

"وهذا وهم كبير . فالإسلام وحدة لا تنفصم . وكل من يفصمه إلى شطرين - على هذا النحو - فإنما يخرج من هذه الوحدة , أو بتعبير آخر:يخرج من هذا الدين .

"وهذه هي الحقيقة الكبيرة التي يجب أن يلقي باله إليها كل مسلم يريد أن يحقق إسلامه ; ويريد في الوقت ذاته أن يحقق غاية وجوده الإنساني"

فالآن نضيف إلى هذه الفقرات ما قلناه من قبل في هذا الجزء من أن العربي الذي خوطب بهذا القرآن أول مرة لم يكن يحصر مدلول هذا اللفظ وهو يؤمر به في مجرد أداء الشعائر التعبدية . . بل أنه يوم خوطب به أول مرة في مكة لم تكن قد فرضت بعد شعائر تعبدية ! إنما كان يفهم منه عندما يخاطب به أن المطلوب منه هو "الدينونة " لله وحده في أمر كله , وخلع الدينونة لغير الله من عنقه في أمره كله . ولقد فسر رسول الله [ ص ] "العبادة " نصا بأنها "الاتباع" وليست هي الشعائر التعبدية , وهو يقول لعدي ابن حاتم عن اليهود والنصارى , واتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا:" بلى إنهم أحلوا لهم الحرام , وحرموا عليهم الحلال , فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم " . . إنما أطلقت لفظة "العبادة " على "الشعائر التعبدية " باعتبارها صورة من صور الدينونة لله في شأن من الشؤون . صورة لا تستغرق مدلول العبادة , بل إنها تجيء بالتبعية لا بالأصالة ! . .

ولقد قلنا من قبل في هذا الجزء:"إن الواقع أنه لو كانت حقيقة العبادة هي مجرد الشعائر التعبدية ما استحقت كل هذا الموكب الكريم من الرسل والرسالات ; وما استحقت كل هذه الجهود المضنية التي بذلها الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - وما استحقت كل هذه العذابات والآلام التي تعرض لها الدعاة والمؤمنون على مدار الزمان ! إنما الذي استحق كل هذا الثمن الباهظ هو إخراج البشر جملة من الدينونة للعباد , وردهم إلى الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن , وفي منهج حياتهم كله للدنيا وللآخرة سواء .

"إن توحيد الألوهية , وتوحيد الربوبية , وتوحيد القوامة , وتوحيد الحاكمية , وتوحيد مصدر الشريعة , وتوحيد منهج الحياة , وتوحيد الجهة التي يدين لها الناس الدينونة الشاملة . . إن هذا التوحيد هو الذي يستحق أن يرسل من أجله كل هؤلاء الرسل , وأن تبذل في سبيله كل هذه الجهود , وأن تحتمل لتحقيقه كل هذه العذابات والآلم على مدار الزمان . . لا لأن الله سبحانه في حاجة إليه . فالله سبحانه غني عن العالمين . ولكن لأن حياة البشر لا تصلح ولا تستقيم ولا ترتفع ولا تصبح لائقة بالإنسان , إلا بهذا التوحيد الذي لا حد لتأثيره في الحياة البشرية في كل جوانبها على السواء" . .

وقد وعدنا هناك أن نزيد هذا الأمر بيانا في هذا التعقيب الختامي الأخير .

فالآن نبين إجمالا قيمة حقيقة التوحيد في الحياة البشرية في كل جوانبها على السواء:

ننظر ابتداء إلى أثر حقيقة التوحيد - على هذا النحو الشامل - في كيان الكائن الإنساني نفسه من ناحية وجوده الذاتي , وحاجته الفطرية , وتركيبه الإنساني . . أثرها في تصوره . . وأثر هذا التصور في كيانه:

"إن هذا التصور إذ يتناول الأمور على هذا النحو الشامل - بكل معاني الشمول - يخاطب الكينونة البشرية بكل جوانبها , وبكل أشواقها , وبكل حاجاتها , وبكل اتجاهاتها , ويردها إلى جهة واحدة تتعامل معها , جهة تطلب عندها كل شيء , وتتوجه إليها بكل شيء . جهة واحدة ترجوها وتخشاها , وتتقي غضبها وتبتغي رضاها جهة واحدة تملك لها كل شيء , لأنها خالقة كل شيء , ومالكة كل شيء , ومدبرة كل شيء .

"كذلك يرد الكينونة الإنسانية إلى مصدر واحد , تتلقى منه تصوراتها ومفاهيمها , وقيمها وموازينها , وشرائعها وقوانينها . وتجد عنده إجابة عن كل سؤال يجيش فيها وهي تواجه الكون والحياة والإنسان , بكل ما يثيره كل منها من علامات الاستفهام .

"عندئذ تتجمع هذه الكينونة . . تتجمع شعورا وسلوكا , وتصورا واستجابة . في شأن العقيدة والمنهج .

وشأن الاستمداد والتلقي . وشأن الحياة والموت . وشأن السعي والحركة . وشأن الصحة والرزق . وشأن الدنيا والآخرة . فلا تتفرق مزقا ; ولا تتجه إلى شتى السبل والآفاق , ولا تسلك شتى الطرق على غير اتفاق !

"والكينونة الإنسانية حين تتجمع على هذا النحو , تصبح في خير حالاتها . لأنها تكون حينئذ في حالة "الوحدة " التي هي طابع الحقيقة في كل مجالاتها . . فالوحدة هي حقيقة الخالق - سبحانه - والوحدة هي حقيقة هذا الكون - على تنوع المظاهر والأشكال والأحوال - والوحدة هي حقيقة الحياة والأحياء - على تنوع الأنواع والأجناس - والوحدة هي حقيقة الإنسان - على تنوع الأفراد والاستعدادات - والوحدة هي غاية الوجود الإنساني - وهي العبادة - على تنوع مجالات العبادة وهيئاتها - وهكذا حيثما بحث الإنسان عن الحقيقة في هذا الوجود . .

"وحين تكون الكينونة الإنسانية في الوضع الذي يطابق "الحقيقة " في كل مجالاتها , تكون في أوج قوتها الذاتية ; وفي أوج تناسقها - كذلك - مع "حقيقة " هذا الكون الذي تعيش فيه , وتتعامل معه ; ومع "حقيقة " كل شيء في هذا الوجود , مما تتأثر به وتؤثر فيه . . وهذا التناسق هو الذي يتيح لها أن تنشئ أعظم الآثار , وأن تؤدي أعظم الأدوار .

"وحينما بلغت هذه الحقيقة أوجها في المجموعة المختارة من المسلمين الأوائل , صنع الله بها في الأرض أدوارا عميقة الآثار في كيان الوجود الإنساني , وفي كيان التاريخ الإنساني . .

"وحين توجد هذه الحقيقة مرة أخرى - وهي لا بد كائنة بإذن الله - سيصنع الله بها الكثير , مهما يكن في طريقها من العراقيل . ذلك أن وجود هذه الحقيقة في ذاته ينشيء قوة لا تقاوم ; لأنها من صميم قوة هذا الكون ; وفي اتجاه قوة المبدع لهذا الكون أيضا .

" . . . إن هذه الحقيقة ليست أهميتها فقط في تصحيح التصور الإيماني . وإن كان هذا التصحيح في ذاته غاية ضخمة يقوم عليها بناء الحياة كله - بل إن أهميتها كذلك في حسن تذوق الحياة , وبلوغ هذا التذوق أعلى درجات الكمال والتناسق . فقيمة الحياة الإنسانية ذاتها ترتفع حين تصبح كلها عبادة لله ; وحين يصبح كل نشاط فيها - صغر أم كبر - جزءا من هذه العبادة ; أو كل العبادة , متى نظرنا إلى المعنى الكبير الكامن فيه . وهو إفراد الله - سبحانه - بالألوهية والإقرار له وحده بالعبودية . . هذا المقام الذي لا يرتفع الإنسان إلى ما هو أعلى منه ; ولا يبلغ كماله الإنساني إلا في تحقيقه . وهو المقام الذي بلغه رسول الله [ ص ] في أعلى مقاماته التي ارتقى إليها . مقام تلقي الوحي من الله . ومقام الإسراء أيضا:

تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالميين نذيرا . . . [ الفرقان:1 ] .

(سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله . لنريه من آياتنا , إنه هو السميع البصير). . . [ الإسراء:1 ] .

وننتقل إلى قيمة أخرى من قيم توحيد العبادة بمعنى الدينونة لله وحده وآثارها في الحياة الإنسانية:

إن الدينونة لله تحرر البشر من الدينونة لغيره ; وتخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . وبذلك تحقق للإنسان كرامته الحقيقية وحريته الحقيقية , هذه الحرية وتلك اللتان يستحيل ضمانهما في ظل أي نظام آخر - غير النظام الإسلامي - يدين فيه الناس بعضهم لبعض بالعبودية , في صورة من صورها الكثيرة . . .

سواء عبودية الاعتقاد , أو عبودية الشعائر , أو عبودية الشرائع . . فكلها عبودية ; وبعضها مثل بعض ; تخضع الرقاب لغير الله ; بإخضاعها للتلقي في أي شأن من شؤون الحياة لغير الله .

والناس لا يملكون أن يعيشوا غير مدينين ! لا بد للناس من دينونة . والذين لا يدينون لله وحده يقعون من فورهم في شر ألوان العبودية لغير الله ; في كل جانب من جوانب الحياة !

إنهم يقعون فرائس لأهوائهم وشهواتهم بلا حد ولا ضابط . ومن ثم يفقدون خاصتهم الآدمية ويندرجون في عالم البهيمة:

(والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام , والنار مثوى لهم). . . [ محمد:12 ]

ولا يخسر الإنسان شيئا كأن يخسر آدميته , ويندرج في عالم البهيمة , وهذا هو الذي يقع حتما بمجرد التملص من الدينونة لله وحده , والوقوع في الدينونة للهوى والشهوة .

ثم هم يقعون فرائس لألوان من العبودية للعبيد . . يقعون في شر ألوان العبودية للحكام والرؤساء الذين يصرفونهم وفق شرائع من عند أنفسهم , لا ضابط لها ولا هدف إلا حماية مصالح المشرعين أنفسهم - سواء تمثل هؤلاء المشرعون في فرد حاكم , أو في طبقة حاكمة , أو في جنس حاكم - فالنظرة على المستوى الإنساني الشامل تكشف عن هذه الظاهرة في كل حكم بشري لا يستمد من الله وحده , ولا يتقيد بشريعة الله لا يتعداها . .

ولكن العبودية للعبيد لا تقف عند حدود العبودية للحكام والرؤساء والمشرعين . . فهذه هي الصورة الصارخة , ولكنها ليست هي كل شيء ! . . إن العبودية للعباد تتمثل في صور أخرى خفية ; ولكنها قد تكون أقوى وأعمق وأقسى من هذه الصورة ! ونضرب مثالا لهذا تلك العبودية لصانعي المودات والأزياء مثلا ! أي سلطان لهؤلاء على قطيع كبير جدا من البشر ? . . كل الذين يسمونهم متحضرين . . ! إن الزي المفروض من آلهة الأزياء - سواء في الملابس أو العربات أو المباني أو المناظر أو الحفلات . . . الخ . . ليمثل عبودية صارمة لا سبيل لجاهلي ولا لجاهلية أن يفلت منها ; أو يفكر في الخروج عنها ! ولو دان الناس - في هذه الجاهلية "الحضارية ! " لله بعض ما يدينون لصانعي الأزياء لكانوا عبادا متبتلين ! . . فماذا تكون العبودية إن لم تكن هي هذه ? وماذا تكون الحاكمية والربوبية إن لم تكن هي حاكمية وربوبية صانعي الأزياء أيضا ?!

وإن الإنسان ليبصر أحيانا بالمرأة المسكينة , وهي تلبس ما يكشف عن سوآتها , وهو في الوقت ذاته لا يناسب شكلها ولا تكوينها , وتضع من الأصباغ ما يتركها شائهة أو مثارا للسخرية ! ولكن الألوهية القاهرة لأرباب الأزياء والمودات تقهرها وتذلها لهذه المهانة التي لا تملك لها ردا , ولا تقوى على رفض الدينونة لها , لأن المجتمع كله من حولها يدين لها . فكيف تكون الدينونة إن لم تكن هي هذه ? وكيف تكون الحاكمية والربوبية إن لم تكن هي تلك ?!

وليس هذا إلا مثلا واحدا للعبودية المذلة حين لا يدين الناس لله وحده ; وحين يدينون لغيره من العبيد . . وليست حاكمية الرؤساء والحكام وحدها هي الصورة الكريهة المذلة لحاكمية البشر للبشر , ولعبودية البشر للبشر !

وهذا يقودنا إلى قيمة توحيد العبادة والدينونة في صيانة أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم , التي تصبح كلها ولا عاصم لها عندما يدين العباد للعباد , في صورة من صور الدينونة . . سواء في صورة حاكمية التشريع , أو في صورة حاكمية الأعراف والتقاليد , أو في صورة حاكمية الاعتقاد والتصور . .

إن الدينونة لغير الله في الاعتقاد والتصور معناها الوقوع في براثن الأوهام والأساطير والخرافات التي لا تنتهي ; والتي تمثل الجاهليات الوثنية المختلفة صورا منها ; وتمثل أوهام العوام المختلفة صورا منها ; وتقدم فيها النذور والأضاحي من الأموال - وأحيانا من الأولاد ! - تحت وطأة العقيدة الفاسدة والتصور المنحرف ; ويعيش الناس معها في رعب من الأرباب الوهمية المختلفة , ومن السدنة والكهنة المتصلين بهذه الأرباب ! ومن السحرة المتصلين بالجن والعفاريت ! ومن المشايخ والقديسين أصحاب الأسرار ! ومن . . ومن . . من الأوهام التي ما يزال الناس منها في رعب وفي خوف وفي تقرب وفي رجاء , حتى تتقطع أعناقهم وتتوزع جهودهم , وتتبدد طاقاتهم في مثل هذا الهراء !

وقد مثلنا لتكاليف الدينونة لغير الله في الأعراف والتقاليد بأرباب الأزياء والمودات ! فينبغي أن نعلم كم من الأموال والجهود تضيع - إلى جانب الأعراض والأخلاق - في سبيل هذه الأرباب !

إن البيت ذا الدخل المتوسط ينفق على الدهون والعطور والأصباغ ; وعلى تصفيف الشعر وكيه ; وعلى الأقمشة التي تصنع منها الأزياء المتقلبة عاما بعد عام , وما يتبعها من الأحذية المناسبة والحلى المتناسقة مع الزي والشعر والحذاء ! . . . إلى آخر ما تقضي به تلك الأرباب النكدة . . إن البيت ذا الدخل المتوسط ينفق نصف دخله ونصف جهده لملاحقة أهواء تلك الأرباب المتقلبة التي لا تثبت على حال . ومن ورائها اليهود أصحاب رؤوس الأموال الموظفة في الصناعات الخاصة بدنيا تلك الأرباب ! ولا يملك الرجل ولا المرأة وهما في هذا الكد الناصب أن يتوقفا لحظة عن تلبية ما تقتضيه تلك الدينونة النكدة من تضحيات في الجهد والمال والعرض والخلق على السواء !

وأخيرا تجيء تكاليف العبودية لحاكمية التشريع البشرية . . وما من أضحية يقدمها عابد الله لله , إلا ويقدم الذين يدينون لغير الله أضعافها للأرباب الحاكمة ! من الأموال والأنفس والأعراض . .

وتقام أصنام من "الوطن" ومن "القوم" ومن "الجنس" ومن "الطبقة " ومن "الإنتاج" . . . ومن غيرها من شتى الأصنام والأرباب . .

وتدق عليها الطبول ; وتنصب لها الرايات ; ويدعى عباد الأصنام إلى بذل النفوس والأموال لها بغير تردد . . وإلا فالتردد هو الخيانة , وهو العار . . وحتى حين يتعارض العرض . مع متطلبات هذه الأصنام , فإن العرض هو الذي يضحى ; ويكون هذا هو الشرف الذي يراق على جوانبه الدم ! كما تقول الأبواق المنصوبة حول الأصنام , ومن ورائها أولئك الأرباب من الحكام !

إن كل التضحيات التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله ; ليعبد الله وحده في الأرض ; وليتحرر البشر من عبادة الطواغيت والأصنام , ولترتفع الحياة الإنسانية إلى الأفق الكريم الذي أراده الله للإنسان . . إن كل هذه التضحيات التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله ليبذل مثلها وأكثر من يدينون لغير الله ! والذين يخشون العذاب والألم والاستشهاد وخسارة الأنفس والأولاد والأموال إذ هم جاهدوا في سبيل الله , عليهم أن يتأملوا ماذا تكلفهم الدينونة لغير الله في الأنفس والأموال والأولاد , وفوقها الأخلاق والأعراض . . إن تكاليف الجهاد في سبيل الله في وجه طواغيت الأرض كلها لن تكلفهم ما تكلفهم الدينونة لغير الله ; وفوق ذلك كله الذل والدنس والعار !

وأخيرا فإن توحيد العبادة والدينونة لله وحده , ورفض العبادة والدينونة لغيره من خلقه , ذو قيمة

كبيرة في صيانة الجهد البشري من أن ينفق في تأليه الأرباب الزائفة . كي يوجه بجملته إلى عمارة الأرض , وترقيتها , وترقية الحياة فيها .

وهناك ظاهرة واضحة متكررة أشرنا إليها فيما سبق في هذا الجزء . . وهي أنه كلما قام عبد من عبيد الله , ليقيم من نفسه طاغوتا يعبد الناس لشخصه من دون الله . . احتاج هذا الطاغوت كي يعبد [ أي يطاع ويتبع ] إلى أن يسخر كل القوى والطاقات ; أولا لحماية شخصه . وثانيا لتأليه ذاته . واحتاج إلى حواش وذيول وأجهزة وأبواق تسبح بحمده , وترتل ذكره , وتنفخ في صورته "العبدية " الهزيلة لتتضخم وتشغل مكان "الألوهية " العظيمة ! وألا تكف لحظة واحدة عن النفخ في تلك الصورة العبدية الهزيلة ! وإطلاق الترانيم والتراتيل حولها . وحشد الجموع - بشتى الوسائل - للتسبيح باسمها , وإقامة طقوس العبادة لها .
كمال العطار
كمال العطار
مدير المنتدي
مدير المنتدي

عدد المساهمات : 5682
تاريخ التسجيل : 11/05/2011

https://reydalsalhen.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى