منتدي رياض الصالحين
اهلا وسهلا بكل السادة الزوار ونرحب بكم بمنتديات رياض الصالحين ويشرفنا ويسعدنا انضمامكم لاسرة المنتدي

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

منتدي رياض الصالحين
اهلا وسهلا بكل السادة الزوار ونرحب بكم بمنتديات رياض الصالحين ويشرفنا ويسعدنا انضمامكم لاسرة المنتدي
منتدي رياض الصالحين
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

الإمام ابن حزم الجزء الاول

اذهب الى الأسفل

الإمام ابن حزم  الجزء الاول Empty الإمام ابن حزم الجزء الاول

مُساهمة  كمال العطار الإثنين يوليو 04, 2011 5:25 am


الإمام ابن حزم

لم يعرف تاريخ الفقه من قبله رجلا كتب في الحب وأحوال العشاق بمثل هذه الرقة والعذوبة والصراحة، وجادل الفقهاء في الوقت نفسه بكل تلك الحدة والعنف والصرامة!..

اجتمعت فيه صفات متناقضة: لين الطبع وسعة الأفق وعذوبة النفس، مع التشدد والتضييق وسرعة الانفعال، والتعصب لكل ما يعتقد أنه حق، ورفض ما عداه .. فهو يناقش كل وجوه النظر في المسائل، حتى إذا اطمأن إلى رأي، أدان كل مخالفيه بلا رحمة، وسخر بهم، وكال لهم الاتهامات، لا يراعي لهم فضلا ولا وقارا ..!

من أجل ذلك أحبه بعض الناس حتى تحدوا فيه حكام عصرهم، وكرهه آخرون حتى أهدروا فيه تعاليم الدين ومبادئ الأخلاق إذ أغروا به السلطان.!

ولد وعاش ومات في الأندلس ـ أجمل بلاد المسلمين وخيرها ـ في شر فترة من عصور التاريخ الإسلامي .. إذ كانت الدولة الإسلامية العظمى في الأندلس، قد تمزقت إلى دويلات صغيرة، فذهب زمن الخلفاء أولى العزم العماليق العظام، ليجيء بدلا منه عصر الحكام الأقزام، ليتصارعوا فيما بينهم، وليكيد كل واحد منهم لأخيه. ويعربد على دويلته فينقصها من أطرافها، ويحالف الفرنجة الطامعين في أن يستعيدوا الأندلس بأسره .. ومن هؤلاء الحكام الأقزام من رضى الدنية في دينه ودنياه، فأغرى الفرنج بالأموال الطائلة ليعينوه على أطماعه في الدويلات الإسلامية المجاورة الأخرى..!

وهكذا انطفأت منارات المعرفة في قرطبة، وهي التي تضيء لكل ما حولها وما يليها من بلاد أوربا، فأصبحت قرطبة عاصمة الدولة الكبرى في الأيام الزاهدة الذاهبة، دويلة من الدويلات الإسلامية..! وانصرف أهل قرطبة من جد الأمور إلى هزلها ..

ونهبت خزائن الكتب في قرطبة، وهي خزائن لم يعرف لها التاريخ مثيلا من قبل .. وانصرف أهل قرطبة عن اقتناء الكتب كما تعودوا، إلى حيازة الجواري الحسان والغلمان!. وبعد أن كان الأثرياء يتنافسون على شراء الكتب الجديدة، حتى لقد كان المؤلفون في المشرق العربي ينشرون كتبهم في الأندلس، قبل أن تظهر في بلادهم، كما صنع صاحب الأغاني، بعد كل هذا أصبح الناس يتنافسون على شراء الجواري الشقراوات والغلمان من فرنا وإيطاليا والجزر المجاورة في المحيط والبحر الأبيض المتوسط.

وبدلا من التفنن في إقامة خزائن للكتب، تفننوا في بناء الأجنحة للجواري. وذوي فن النسخ وافتقر الناسخون، لتزدهر صناعة النخاسة ويثري النخاسون!. وأصبحت أسواق الأدب في متنزهات قرطبة مغاني للعشاق وخمائل للمتعة!

وإذ بالعقل العربي في الأندلس يهجر تقاليده الإسلامية في البحث والمغامرة واكتشاف المجهول وإغناء الحياة بالإضافات، ليسقط في الجمود والتقليد. وإذ بالناس يتخذون الشيوخ أولياء من دون الله، ويتشفعون بهم من دون العمل..!

وخلال هذا التحول كانت الفضائل تتهاوى، وقيم الإسلام تترنح، والباطل يغشى وجه الحياة، والإنسان الصادق يغترب .. والحق كسير!

وانطفأت الحمية .. وخبت الغيرة، وتزايل قدر الكتاب والشعراء والمفكرين ومهرة الصناع وأهل الفنون، المنتجة ليعلو مقام الجواري والغلمان والمخنثين والشذاذ..!

وخلال هذا كله يتناقل الناس قصة أمير في أشبيلية اشتهت إحدى نسائه أن تغوص بأقدامها في الطين، فأمر بأن تصنع لها بركة من المسك المعجون بالماء المعطر..! أنفق على هذه البركة ما يكفي لتجهيز جيش، حتى إذا أحاطت جيوش الفرنجة بأشبيلية والأمير ونساؤه يعبثون عراة في طين المسك لم يجد الأمير في خزائنه ما يتقوى به على الدفاع عن مدينته.!

وهكذا سقطوا في الطين .. المعطر!

وفي بعض نواحي الأندلس تقل المياه، وينقطع المطر فتجف الأرض، ويعطش الأحياء، وبدلا من أن يؤدي المسلمون صلاة الاستسقاء، عسى أن يستجيب لهم الله فيعم الماء، ليسقوا الأحياء والأرض، كانوا يتجهون إلى فلنسوة جلبها أسلافهم من الإمام مالك، ليستسقوا بها..!

ثم يتناقل الناس قصة رجل فاضل من أهل العلم عشق جندياً حسن الطلعة من جيش الفرنجة الذي كان يحاصر إحدى المدن، فاستخلص الرجل الذي كان فاضلا هذا الجندي لنفسه، وأمره على قصره لينهي ويأمر فيه، وأباحه حريم القصر، لينال الرجل العالم من الجندي ما يريد..!

وحين كانت خزائن الدويلات خالية مما تتطلبه مؤنة الجيش، بنى أحد الأمراء قصرا ضخما وجلب له غرائب الأزهار والأشجار والطيور النادرة، وشق له نهرا صغيرا من قمة الجبل حيث تتراكم الثلوج في الشتاء لينحدر الماء إذا ذابت الثلوج، ويصب في جداول تتخلل حدائق القصر، وتنتهي إلى بحيرة صنع قاعها من الرخام الأزرق الفاخر الثمين، ورصعت شطآنها بالأحجار الكريمة! لتسبح فيها الجواري الشقراوات المجلوبات من جنوب فرنسا، على شعاع الشمس إذا كان النهار، وعلى ضوء القمر أو المصابيح الذهبية في ليالي الصيف..!

وسط هذا الجو الزاخر بصور رائعة من جمال الطبيعة، ومظاهر مؤسية من فساد المجتمع نشأ ابن حزم.

عاش في هذا المضطرب نحو اثنين وسبعين عاما .. اشتغل خلالها بالسياسة والأدب، والفقه، والشعر، وكابد الحياة والناس، وعرف المتاع والعذاب، وحاول أن يتعاطى الفلسفة والمنطق وعلوم الاجتماع والفلك والرياضة وعلم النفس وسماه بهذه الاسم، واحتك بمجتمعه، فصوره ورسم أعماقه ومفاسده ومظالمه، وهب في انفعال يرفض مجتمعه ذاك، ويحاول أن يهدم واقعه لينيبه من جديد!

وفي سبيل ذلك لم يكتف بالكتابة بل خاض غمرات الصراع السياسي واشترك في مغامرات عسكرية .. وعرف الحب والنعيم، وعرف الجوى، ولم يتحرج ـ وهو الفقيه الذي يتربص به أعداؤه ـ من التصريح بتجاربه ومشاهداته، في بيان مشرق عذب، لم يتكلف فيه تغطية العبارات والألفاظ..

وترك مؤلفات كتبها بلغت عدتها أربعمائة بين كتب طوال ورسائل قصيرة كالمقالات .. ذلك أن ابن حزم كان حين يعكف على القراءة والكتابة لا يخرج عما أخذ فيه، ولا يسمح لأي ظرف مهما يكن خطره بأن يعطله!

وكثيرا ما كان يرفض الخروج من غرفة عمله، ويأمر برد زواره وقاصديه! ولقد أغضب بسلوكه ذاك. كثيرا من أصدقائه والمقربين إليه، ولكنه كان يعتذر إليهم إذا خرج من عمله يستروح، فلولا أنه يأخذ نفسه بالشدة في العمل، لما أتيح له أن ينجز شيئا .. والعمل عنده عبادة، ولئن اعتكف العابد ليتعبد، فما ينبغي أن يصرفه عن شأنه أي طارق حتى يفرغ مما هو فيه!

ولد علي بن احمد بن سعيد بن حزم، في آخر شهر رمضان قبيل شروق يوم عيد الفطر عام 384 هـ، في قرطبة حاضرة ذلك الزمان. كان أبوه وزيراً للخليفة الأموي هشام المؤيد وهو من أواخر الخلفاء الأمويين في الأندلس ..

ولد ابن حزم في قصر فاخر، فقد أصاب أجداده وأبوه ثروة ضخمة، فترك أبوه منازل الأباء في غربي قرطبة حيث يسكن أوساط الناس، واتخذ لنفسه قصرا منيفا في حي السادة شرقي قرطبة، على مقربة من دار الخلافة.

تفتحت عينا الصبي على مجال الترف، ومسارح المتاع، ومغاني الجمال، في قصر أبيه الشامخ على مرتفع يشرف على كل قرطبة، محاطا بحدائق واسعة، ترتفع فيها الأشجار، ويصوغ الزهر، ويغرد الطير، وتنساب الجداول الصغيرة، ويتفجر الماء في نافورات منمنمة الحواشي والجنبات بالفسيفساء...

على مرائي الجمال ومغان الحسن تلك تفتحت عيناه .. فما سمع في طفولته غير الشدو، والغناء، وما رأى غير الوجوه الصباح، وخضرة الحدائق، وروعة ألوان الطبيعة الفتانة، وما ملأ صدره إلا بشذي الزهر وعطر الفاتنات .. الجبال على البعد تجلل هاماتها الثلوج وتغمر الخضرة الريانة كل سفوحها .. وهمس الجداول، وخرير الأنهار، ورنين الضحكات الفضية، وعطر الأنسام، وحلاوة الأنغام واتساق القدود، ونضارة الخدود والتماع الأضواء على الملابس الزاهية تلف القامات المتأودة .. أشعة واهنة من الشمس تتسلل من وراء السحاب وتتخلل الأغصان اللفاء، فتوشي الظلال على الأديم ذي الأعشاب .. منابر الذهب والفضة .. هذا هو كل ما عرفه ابن حزم منذ نشأ حتى وثب به الصبا على أوافل الفتوة .. وبلغ أولى سنوات الشباب ..

وهو في الخامسة عشرة، تمرد على الخليفة هشام المؤيد أقرب الأمراء إليه، فساقوا جيشا من العرب والبربر والفرنجة فأسقطوا الخليفة، وولوا مكانه رجلا آخر من بني أمية .. وعزل الحاكم الجديد والد ابن حزم من منصبه واعتقله، ثم أفرج عنه، بعد حين ..

قال ابن حزم: "شملنا بعد قيام أمر المؤمنين هشام المؤيد بالنكبات وباعتداء أرباب دولته، وامتحنا بالاعتقال والتغريب والاغرام الفادح .. وأرزمت الفتنة وخصتنا، إلى أن توفى أبي الوزير رحمه الله ونحن في هذه الأحوال بعد العصر يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة عام اثنين وأربعمائة" ..

كان ابن حزم في الخامسة عشرة حين سقط الخليفة هشام المؤيد، وعزل أبوه من منصب الوزارة، وصادرت الدولة الجديدة قصره في شرقي قرطبة وما وصلت إليه من أمواله .. وبقى للأسرة بعد ذلك شيء .. منازل قديمة في غربي قرطبة انتقلت إليها، وضياع ودور متفرقة في أرجاء الأندلس.

ولقد عاش أبوه معتزلا الناس أربع سنوات بعد النكبة، ثم مات حزينا محسورا، وتآمر الفرنجة والبربر وبعض بني أمية على الحاكم الجديد، فوثبوا عليه، وولوا مكانه رجلا آخر، وعاثوا في قرطبة فسادا فنهبوا الأموال وانتهكوا الحرمات واغتصبوا النساء.

وهاهو ذا الآن يصبح وحيدا بعد أن قتل أبوه الوزير صبرا وكمدا. ترك الفتى قرطبة باكيا، وكتب يصف حالته "ضرب الدهر ضرباته. وأجلينا عن منازلنا، وتغلب علينا جند البربر، فخرجت عن قرطبة أول المحرم عام أربع وأربعمائة" .. كان إذ ذاك في العشرين .. فتى مثقل القلب بالهموم، تضطرم أعماقه بالإصرار على أن يغير هذا العالم المثخن بالفوضى والمظالم والفساد.! لقد علمه أبوه الوزير وثقفه لكي يصبح وزيرا مثله، فقد كانت الوزارة في ذلك الزمان تورث كما يورث الملك! وقد علمه أبوه منذ بدأ يعي، أنه قرشي من بني أمية .. جاء أجداده مع الفتح الإسلامي. علمه أن جده الأعلى كان أخا بالولاية ليزيد بن أبي سفيان الذي بعثه أبو بكر الصديق في أول بعثة لفتح الشام ..
وإذن فمعاوية عمه، وأجداده هم الذين فتحو الأندلس وأقاموا فيها الدولة العظمى .. فالوفاء لأسلافه يقضي عليه بأن ينتصر للأمويين، ويدافع عنهم، ويدعم دولتهم .. فإذا سقطت هذه الدولة فالوفاء يقتضيه أن يعمل من أجل إحيائها..! .. فإذا تصارع أمراؤها فليعتزل هو الصراع!.

كان قبل، قد نال قسطا من التعليم. وما أرسله أبوه ليتعلم في حلقات الجامع، أو عهد به إلى مدرس .. بل آثر أن يعلمه في القصر. ولأن أباه كان خبيرا بما آلت إليه الحياة من فساد وتفسخ، لم يشأ أن يعهد بهذا الطفل إلى معلمين من الرجال .. بل اختار له معلمات من النساء من قريباته من الجواري .. وكانت من نساء قرطبة فقيهات وراويات شعر ومقرئات ومحدثات وطبيبات وعالمات بالفلك والفلسفة.

ربى ابن حزن في حجور النساء كما قال .. ولازمهن حتى بلغ مرحلة الشباب .. وأتاح له لزومهن معرفة كثير من أحوالهن وأسرارهن، ودراسة خلجات قلوبهن، والإطلاع على ما يملكن من فضائل ورذائل.!

كتب عن هذه المرحلة من صباه فيما بعد، فأعلن عدم ثقته بالنساء، وحكم عليهن في ألفاظ مكشوفة أنهن ما لم يشغلهن العلم أو العمل متفرغات البال للرجال.

"قرأت في سير ملوك السودان أن الملك منهم، يوكل ثقة له بنسائه، يلقي عليهم ضريبة من غزل الصوف، يشتغلن بها أبد الدهر، فالمرأة بغير شغل إنما تشوق إلى الرجال... ثم يقول: "لقد شاهدت النساء، وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري لأني ربيت في حجورهن، نشأت بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن، ولا جالست الرجال إلا وأنا في حد الشباب" ثم يسترسل "… وهن علمنني القرآن، وروينني كثيرا من الأشعار، ودربنني على الخط، ولم يكن وكدي (أي همي)، وأعمال ذهني منذ أول فهمي وأنا في سن الطفولة جدا إلا تعرف أسبابهن، والبحث عن أخبارهن، وتحصيل ذلك وأنا لا أنسى شيئا مما أراه منهن. وأصل ذلك غيرة شديدة طبعت عليها وسوء ظن في جهتهن فطرت به، فأشرفت من أسبابهن على غير قليل.

ويعترف أنه منذ الطفولة قد اطلع من أسرار النساء والرجال على أمر عظيم، وأصل ذلك أني لم احسن قط بأحد ظنا في هذا الشأن، مع غيرة شديدة ركبت في ...

عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الغيرة من الايمان) ، رواه البزار.

فلم أزل باحثا عن أسرارهن، وكن قد أنسن مني بكتمان، فكن يطلعنني على غوامض أمورهن، ولولا أن أكون منبها على عورات يستعاذ بالله منها، لأوردت من تنبههن في السر ومكرهن فيه عجائب تذهل الألباب .. ثم يضيف: "أني لأعرف هذا وأتقنه، ومع هذا يعلم الله وكفى به عليما أني برئ الساحة" .. وثم يقسم بأغلظ الأيمان على عفته، وأنه لم يقترف حراما قط.!

وابن حزم يروي ذكريات طفولته عن النساء اللائى عهد إليهن أبوه بتربيته .. وهن كما قال من الجواري المهذبات ومن قرابته. وكان أبوه يزوره خلال الدرس ليطمئن عليه، وقد أقام عليه رقباء ورقائب من الشيوخ والنساء العجائز. على أنه صبا إلى شقراء منهن فامتنعت منه ولاحقها في شرفات القصر عسى أن تبادله ما يحس، فيستوهبها أباه، ولكنها ظلت تتمنع فأباها عليه أبوه، ووهبه شقراء أخرى، ولكن الفتى لم يستطع السلو عنها سنوات .. فزوجه أبوه من شقراء أجل من تلك، ووهبه جارية شقراء أيضاً، وعاش ابن حزم لا يستحسن غير الشقراوات كما قال ..
وكان قد حفظ القرآن وقدرا صالحا من الشعر وجود الخط .. وأن له أن يفارق مدرسة النساء إلى حلقات الرجال. واختار له أبوه عالما زاهدا ناسكا فاضلا، وتحرى الأب أن يكون معلم ابنه حصورا ..

كتب ابن حزم "وأني كنت وقت تأجج نار الصبا وشرة الحداثة، وتمكن غرارة الفتوة مقصورا، محظورا على بين رقباء، ورقائب (من النساء)، فلما ملكت نفسي وقلت صحبت أبا الحسن بن علي علي الفاسي. وكان عاقلا عالما ممن تقدم في الصلاح والنسك الصحيح، وفي الزهد في الدنيا، والاجتهاد للآخرة. ودينا وورعا، فنفعني الله به كثيرا، وعلمت مواضع الإساءة وقبح المعاصي. ومات أبو الحسن رحمه الله في طريق الحق .."

صحب ابن حزم هذا الشيخ الذي اختاره له أبوه، فأنتزعه الشيخ من كل دواعي الإغراء لمن هو في مثل سنه، فما كانت النساء تحجب عن الرجال، وكان هذا كما يقول ابن حزن هو جاري العادة في التربية ببلاد الأندلس.
بدأ الجلوس إلى شيخه وهو في نحو السادة عشرة وصحبه إلى حلقات علماء التفسير والحديث واللغة.

بهر الفتى أشياخه بسرعة استيعابه، وقوة حفظه، ودقة فهمه .. وبعد أن استوعب ابن حزم ما في مجالس القرآن والتفسير، صحبه شيخه ومربيه إلى حلقات الفقه.

حتى إذا خرج مربيه إلى الحج فمات في بعض الطريق، استقل ابن حزم بحضور الحلقات وقد علم من شيخه الراحل قدر كل واحد من أصحاب الحلقات .. فلزم الحلقات بالجامع الكبير بالجانب الغربي من قرطبة، حيث يعيش أواسط الناس وسوادهم، وأهل العلم والطلاب. وفي هذه الحلقات عنى إلى جانب علوم الدين بدراسة النحو وعلوم اللغة والفلك والفلسفة والمنطق وسائر المعارف الإنسانية الموجودة في عصره.

ولقد اهتم بالنحو اهتماما خاصا، وأدرك أن إتقان النحو هو سبيله إلى فهم النصوص. ذلك أنه كان قد شهد عجبا مما يؤدي إليه الجهل الشائع بالنحو. حتى لقد تفكه بحكايات عن ذلك فيما بعد .. فروي أن رجلا كان يتولى صلاة الجمعة في جامع قرطبة "وكان عديم الورع قليل الصلاح. فخطبنا يوم الجمعة في جامع قرطبة فتلا في خطبته: ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم) فقرأها بنونين (عننتم). فلما انتهت الصلاة جاءه بعض تلاميذه وكانوا يأخذون عنه رأي مالك، فذكروا له الآية صحيحة، فأنكرها وزعم أنه هكذا تعلمها وهكذا يعلمها. فلما احتكموا إلى المصحف، دخل وعاد بالمصحف وقد حذف نقطة من ناء عنتم، لتكون نونين!" ..

ويروى عن مقرئ أخر يعلم الناس القرآن، وهو عربي بل قرشي، "وأحد مقرئين ثلاثة كانوا يقرئون العامة في قرطبة"، وكان لا يحسن النحو، فقرأ عليه قارئ يوما في سورة ق .

{ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} (سورة ق ، الآية : 19 )

فرد عليه القرشي "تحيد بالتنوين". فراجعه القارئ وكان يحسن النحو، فلج المقرئ وثبت على "التنوين". وانتشر الخبر، حتى وصل إلى فقيه كان صديقا لذلك المقرئ، "فذهب إليه وقال للمقرئ القرشي: "انقطع عهدي بقراءة القرآن على مقرئ، وقد أردت تجديد ذلك عليك". فسارع الفقيه إلى ذلك. فبدأ يقرأ من سورة ق حتى إذا بلغ إلى الآية المذكورة ردها عليه المقرئ بتنوين كلمة (تحيد). فقال الفقيه للمقرئ: "لا تفعل ما هي إلا غير منونة بلا شك". فلج المقرئ. فقال له الفقيه: (يا أخي أنه لم يحملني على القراءة عليك إلا ردك إلى الحق في لطف، وهذه عظيمة أوقعك فيها قلة علمك بالنحو .. فإن الأفعال لا يدخلها التنوين البتة). فتحير المقرئ ولم يقتنع حتى جاءوا بالمصحف وبعدد من مصاحف الجيران فوجدها مشكولة بلا تنوين".

ظل ابن حزم يدرس العلوم الدينية واللغوية والعلوم الإنسانية ودرس الكتب المترجمة في الأدب والفلسفة والخطابة والفلك. ودرس الرياضات. ودرس الشعر العربي وأخبار العرب والتاريخ.

ولقد درس العلوم الدينية على مذهب الإمام مالك، وكان هو المذهب الرسمي للدولة، فقد فرضه الأمويون، وما كانوا يعينون قضاة أو يسمحون لفقيه أو عالم، بالفتيا أو إلقاء الدروس، إن لم يكن من اتباع الإمام مالك .. ولم يسمحوا لمذهب غيره بالوجود في الأندلس، كما فرض العباسيون في المشرق مذهب الإمام أبي حنيفة .. ولهذا قال ابن حزم: "مذهبان انتشروا بقوة السلطان، مذهب أبي حنيفة في المشرق ومذهب مالك في المغرب".

انكب ابن حزم على طلب العلم .. حتى أصبحت قرطبة مسرحا للحرب بين الأمراء الأمويين في صراعهم الداخلي يرمون قرطبة بجند البربر وعسكر الفرنجة على قرطبة الشماء، ليفسدوا فيها الدماء .. حتى لقد قتلوا نحو عشرين ألفا من أهلها من بينهم عدد كبير من العلماء والفقهاء والمقرئين والقراء وشيوخ المساجد!

فرحل الشاب إلى مرية بعيدا عن قرطبة ليقيم في ضيعة لأهله هناك، وفي أعماقه ينزف القلب الممزق، ويحتدم في صدره الشوق إلى أن ينفذ الإسلام وأن ينشل الأندلس بأسره من كل هذا الهوان ..!

ولكن كيف؟! ما عساه أن يصنع هو وحده، وهو بعد طالب علم في الثانية والعشرين، بلا جيش ولا نصير!؟
فليتفرغ هناك لدراسة كل ما بين يديه من آثار في الدين والفكر، وكل معطيات العقل الإنساني .. فليعمر عقله بالعلم وقلبه بالأمل حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً .. وعندما يجئ الوقت، سيشرع قلمه ليواجه الفوضى، والعار، والفساد بأقوى مما يستطيعه السيف البتار!...

وفي المرية، وجد عددا كبيرا من الشيوخ ممن هاجروا في أرض الله الواسعة، نأيا بأنفسهم عن مضطرب الفتنة والدماء في قرطبة المنتهكة، التي غمرت أجواءها العطرة الطيبة، رائحة الموت، والحياة المتعفنة، ورائحة العار ..!

ولزم ابن حزم من وجد في "المرية" من شيوخ قرطبة وأخذ عنهم، وقسم وقته بين حضور الدروس في المسجد، والقراءة في البيت .. وظل على هذا الحال نحو ثلاث سنوات.

ولكن الأمراء الأمويين في صراعهم على السلطة سقطوا جميعاً فآل الأمر في قرطبة إلى آل حمود .. وهم علويون، وبين الأمويين والعلويين خصام متقد!

استولى العلويون على قرطبة، وبسطوا سلطانهم على كثير من أقطار الأندلس، فتوجس ابن حزم في نفسه خيفة مما قد يقع له .. فهو ابن أسرة تنتمي للأمويين.

وصحت مخاوف ابن حزم طالب العلم الذي أصبح في الخامسة والعشرين، إذ أوقع به والي "المرية"، واتهمه بالتآمر مع صاحب له ليعيدوا ملك بني أمية .. فاعتقله هو وصاحبه شهرا ثم أمر بإبعادهما. فتطوع أحد أصحاب حاكم "المرية" باستضافة ابن حزم وصاحبه .. يقول ابن حزم "فأقمنا عنده شهورا في خير دار إقامة، وبين خير أهل وجيران، وعند أجل الناس همة، وأكملهم معروفا، وأتمهم سيادة، ثم ركبنا البحر قاصدين بلنسية عند ظهور أمير المؤمنين المرتضى عبد الرحمن بن محمد وساكناه بها.

كان المرتضى عبد الرحمن بن محمد حفيد عبد الرحمن الناصر رجلا صالحا، هرب من قرطبة حين اشتعلت فيها الحروب الداخلية بين أبناء عمومته من الأمويين، واعتزل الفتنة، ثم ظهر بعد حين في "بلنسية"، ودعا لنفسه بالخلافة ..

بادر ابن حزم بتأييد المرتضى .. فهاهو ذا رجل صالح من بني أمية، على نقيض الأمراء الأمويين الآخرين الذين أباحوا قرطبة جيوش البربر والفرنجة، وارتضوا أن يؤدوا الجزية للفرنجة ليستعينوا بهم في الصراع على الحكم!

وكان المرتضى متفقها يعرف ابن حزم عنه التقوى وحسن الدين، ويتوسم فيه أن سيعيد مجد جده الأعلى عبد الرحمن الناصر، أيام نهض يوحد الأندلس، ويستعيد فيه عظمة الإسلام، فسعى في عمارة الأرض وجعل من قرطبة حصنا حصينا للإسلام، ومشرقا لنور المعرفة، وجعل متنزهاتها ندوات للثقافة والجدل الفلسفي، يتمشى فيها المفكرون يجادلون ويعلمون، كما كانت أثينا في عصورها الزاهرة.

وكان المرتضى عبد الرحمن بن محمد نفسه يريد أن يعيد قرطبة والأندلس كله إلى أيام جده حين كان ملوك أوروبا وأمراؤها يسعون إليه أو يقدمون له الجزية، وحين كان العلماء والفقهاء والمفكرون والكتاب والشعراء هم قسمات الوجه المضيء لقرطبة، ودولة الإسلام في الأندلس!

ولكن المرتضى عبد الرحمن بن محمد لم يكن يملك من مواهب رجل الدولة إلا الصلاح وحسن النية والرغبة الصادقة في الإصلاح .. ولا شيء بعد! .. لا حزم، ولا قدرة، ولا حسن بصر بالرجال، ولا سائر الوسائل التي تكفل النجاح لمن يريد أن يتولى أمر الناس ويقود أو ينشئ دولة.!

ولكن ابن حزم وجد نفسه مندفعا إلى مبايعة الرجل الصالح،عسى أن يستطيعا معا هدم هذا العالم الفاسد وبناءه من جديد على البر والتقوى والنجدة والعدل.

أقام ابن حزم في بلنسية مع المرتضى عبد الرحمن بن محمد يدعو إليه ويحشد له طلاب العلم ويخطب الناس ويطالبهم بأن يبايعون بالخلافة. على أنه ظل خلال نشاطه السياسي العارم، يواظب على حلقات الدرس فيتلقى عن شيوخها.

وذات مرة سأل ابن حزم شيخ الحلقة عن مسألة من فقه مالك، فأجابه شيخه، ولكن ابن حزم لم يقتنع بالإجابة فاعترض، وضاق به الشيخ، فقال له أحد الطلاب المقربين إلى شيخ الحلقة: "ليس هذا من منتحلاتك!" ذلك أنه كان حتى ذلك الوقت ينتحل كتابة الشعر والنثر الفني فحسب، وكان زملاؤه يشدون له بطلاوة الأسلوب ورشاقة العبارة، ولم يستطع ابن حزم أن يرد فما كان يعرف فقه مالك بعد، وضحك منه الشيخ والطلاب.

غضب ابن حزم حتى قام لينصرف من الحلقة، ولكنه كظم غيظه وقعد إلى نهاية الدرس، ثم اعتكف في داره يقرأ النهار والليل في فقه مالك، وفقه الأئمة الآخرين أصحاب المذاهب، وخرج بعد عدة أشهر إلى الناس، فحضر الحلقة التي شهدت السخرية منه .. فناظر الشيخ والطلاب احسن مناظرة، فأدهشهم، وقال وهو ينصرف: أنا أتبع الحق واجتهد، ولا أتقيد بمذهب.

وأثناء انقطاعه لقراءة الفقه، أعجب بمذهب الشافعي، فمال إليه ولكنه لم يتقيد به .. أعجب في الشافعي تمسكه بالنصوص من القرآن والسنة، وعزوفه عن تقليد من سبقه، واستنباطه الأحكام من النصوص، واعتباره الفقه هو النص أو الحمل على النص (أي استخراج الحكم من النص أي القياس عليه).

غير أن ابن حزم لم يلبث أن هجر القياس، ووجد أن ما قاله الشافعي في رفض الاستحسان، يصلح حجة لرفض القياس، وأنه لا حكم إلا فيما تضمنته نصوص القرآن والسنة وإجماع الصحابة إجماعا لا يختلف عليه واحد منهم رضي الله عنهم.

وقد اهتدى إلى هذا الرأي عندما ما كان يقرأ فقه الإمام الشافعي .. وما كتبه الآخرون عنه، فوقع على كتاب داود الأصبهاني عن مناقب الشافعي .. وأعجب الشاب بالأصبهاني وكتابته، وحاول أن يتتبعه ولكنه لم يجد في بلنسية ما يغنيه .. لو أنه يعود إلى قرطبة أم المدائن في الأندلس! ففي قرطبة مهما يكن من أمر ما ليس في غيرها من المدائن!

ولقد عاتبه بعض أصدقائه في موقفه من المذهب المالكي، فقال لهم أن الإخلاص للإسلام هو الذي دفعه إلى أن يترك المذهب .. وما يبالي هو ما يكون من أمر، مادام الإخلاص للإسلام هو رائده فيما يأخذ وما يدع من الأمور! ويروى لهم أن عيسى عليه السلام سأله أحد الحواريين ما هو الإخلاص ومن المخلص فقال عليه السلام: "المخلص من إذا عمل خيرا لا يهمه أن يحمده الناس".

عاد ابن حزم يدعو إلى المرتضى عبد الرحمن بن محمد، حتى اجتمع للمرتضى جيش يصلح للزحف، فقرر أن يزحف إلى غرناطة فيستولي عليها، ويجيش من أهلها عسكرا كثيفا يستولي به على قرطبة التي أمتنع فيها العلويون.

وسار ابن حزم مع الجيش تحت راية المرتضى ولكن الجيش لم يصل إلى غرناطة. فقد اغتيل المرتضى وهزم جيشه، ووقع ابن حزم في الأسر! وبعد حين أطلق من الأسر، فاختار أن يعود إلى قرطبة ليتفرغ للعلم بعد أن غاب عنها نحو ستة أعوام.

هاهو ذا من جديد في قرطبة مدينته التي لم يحب ركنا آخر من الأرض كما أحبها، والتي عرف فيها عذوبة أيام الصبا، ثم قسوة الحياة منذ عزل أبوه، ومات، وشاهد طرقاتها الظليلة ومتنزهاتها الغناء يختلط فيها دم الإنسان بالمعرة والأوحال! ولكنها مهما يكن من أمر، خير المدائن عنده، ومهما يكن ما حدث فيها للفكر والمعرفة، فمازالت هي هي أزخر بلاد الدنيا بالمعارف ومهما يكن ما حدث لخزائن الكتب فيها، وللفقهاء والعلماء، فإنه يستطيع أن يجد فيها من الكتب ومن البيئة الثقافية ما لن يجده فيما عداها من أرض الله.

منذ وقع ابن حزم وهو في بلنسية على كتاب للفقيه داود بن علي الأصبهاني، وهو حريص على أن يستزيد من فقه الرجل.

ووجد في قرطبة كل كتب داود الأصبهاني. التي تضمنت منهجه في الاعتماد على النصوص من القرآن والسنة وإجماع الصحابة في استنباط الأحكام.

وداود الأصبهاني من مدينة أصبهان تعلم فيها ورحل إلى بغداد وغيرها من حواضر الإسلام، ولد عام 202 هـ وعاش خمسين عاما تفقه فيها على مذهب الشافعي، ولكنه رفض وخالف الشافعي في الاجتهاد وهو الاعتماد على النص، أو القياس على النص. وقال: "إن الشريعة لا رأي فيها ولا اجتهاد، فهي نصوص فحسب، ولا علم في الإسلام إلا من النص". وقد سأله أحد الذين يعرفون إعجابه بالشافعي: "كيف تبطل القياس وقد أخذ به الشافعي؟! "فأجاب: "أخذت أدلة الشافعي في إبطال الاستحسان فوجدتها تبطل القياس.." وقيل عنه: "أنه أول من أظهر انتحال الظاهر، ونفى القياس في الأحكام قولا واضطر إليه فعلا وسماه الدليل" .. والدليل الذي يعنيه داود مفهوم من ظاهر النص كأنه يقول الحديث الشريف. "كل مسكر خمر. وكل خمر حرام". فهما مقدمتان دون ذكر النتيجة والنتيجة المحذوفة المفهومة من ظاهر النص، أن كل مسكر حرام. وهذا ليس قياسا، بل فهم لظاهر نص فيه إيجاز بالحذف. وكأنه بقول الله تعالى: "قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف." فهذا شرط للمغفرة، وهو يعم كل من يعصي الله والرسول لا الكفرة وحدهم.

قال عنه أحد معاصريه: "لو اقتصر على ما هو فيه من العلم لظننت أنه يكمد به أهل البدع مما عنده من البيان والأدلة. ولكنه تعدى.

وكان زاهدا عابدا. ولقد وجه إليه أحد المعجبين من الحكام يوما بألف درهم تعينه على العيش فردها قائلاً لمن جاء بها: "قل لمن أرسلك بأي عين رأيتني، وما الذي بلغك من حاجتي وخلتني حتى وجهت إلى بهذا؟".

وقد وجد ابن حزم في قرطبة حين عاد إليها هذه المرة بعض الذين تأثروا بآراء داود، ووسعوا منهجه الظاهري، وتركوا كتبهم في خزائن الكتب بقرطبة، وفي صدور بعض اتباعهم، فدرس ابن حزم كتبهم وتتلمذ عليهم .. وخلال خمس سنوات وهب فيها نفسه للعلم، ودراسة الفقه الظاهري، لم يعد الشاب يفكر في السياسة. وأعلن الخلاف مع الشافعي متابعا فقه أهل الظاهر وقيل لي في خلافه مع الشافعي بعد أن أحبه وأعجب به، فاستشهد بما قاله الإمام الشافعي حين عوتب على خلافه مع الإمام مالك وهو شيخه: "أقول في هذا ما قاله أرسطو حين خالف أفلاطون: أستاذي وأنا أحبه ولكن الحقيقة أحب إلى من أفلاطون."

وتمر الأعوام وابن حزم لا يشغله إلا الدرس الجاد.

ووجد بعض المتعصبين من اليهود والنصارى يطعنون في الإسلام مستغلين الضمور الفكري والفقهي، وشيوع التقليد، وتجمد العقل، فانبرى لهم ابن حزم يجادلهم، ويسفه آراءهم، في حدة وعنف، مؤكدا أن ما اعترى الحياة الإسلامية من فساد وبلادة، وما يشيع فيها من جمود فكري، وتقليد أعمى للسلف، ليس من الإسلام. ولكنه محنة للإسلام.

ولهو يعد نفسه لمعارك فكرية أخرى يجلو فيها حقائق الإسلام كما هي في أصلها الثابت من ظاهر النصوص وإجماع الصحابة .. ولهو سعيد بتفرغه للعلم، يكتب النثر الفني والشعر، ويناقش آراء أرسطو في المنطق، وفتاوى الفقهاء المقلدين .. ولهو ينضج على نار التأملات، والقراءات الجادة المتصلة بمنهجه في الفقه .. ولهو مستغرق مستوعب في العلم .. إذ بالسياسة تفرض نفسها عليه مرة أخرى، وتقتحم بابه في عنف، وتنتزعه انتزاعا من تأملاته وقراءاته وكتاباته ومناظراته ..

كان قد سئم السياسة فتركها، وظل يرقب بألم ما يضيق به صدره ولا ينطلق به لسانه: تناحر الأمراء على السلطة، وفتك بعضهم ببعض، وهم خلال هذا الصراع قد وطأوا أكناف قرطبة وهامتها لسنابك خيل الفرنجة "فلحق بيوتات قرطبة معرة في نسائهم وأبنائهم."

إنه متعب من السياسة وأهل السياسة .. متعب من الأصدقاء .. متعب من الحياة .. متعب من كل شيء .. ولا راحة له إلا في العلم والكتابة..!

فقد رأى فيما رأى: هشام المؤيد الأموي الذي استوزر أباه، يعزل، ثم يختفي، ثم يظهر، ثم يتولى الأمر..
لكم فجمع ابن حزم في هشام هذا بعد أن تعود احترامه وأشرب حبه منذ الصغر!. ذلك أن المؤيد هذا، تولى الخلافة من جديد وأصبح أمير المؤمنين، فناوأه أمير أخر من بني عمومته، وزحف بجنده، فاستنصر هشام بالفرنجة وعرض أن ينزل لهم عن قشتالة.! .. ونصره الفرنجة بهذا الثمن، ولكن مناوئه غلبه على قرطبة وأسقطه، ثم قتله .. واستعان هو الآخر بالفرنجة ليوطد أركان ملكه!

غير أن السنوات تمر، والانقلابات تستمر، وتتوالى التغيرات فلا يستطيع العقل أن يلاحقها .. وهاهو ذا يستقر في قرطبة من جديد، ولكن تحت حكم العلويين من آل حمود الذي أسقطوا حكم الأمويين.

وتمضي الحياة وهو سعيد بنشاطه العلمي وهمومه الفكرية ..

هدأ ابن حزم عن السياسة، ولكن أهل قرطبة لم يهدأوا .. فثاروا على حاكمهم العلوي واختاروا واحدا من بني أمية ليولوه الخلافة مكان الخليفة العلوي .. وهو حفيد آخر للخليفة العظيم عبد الرحمن الناصر .. صاحب قرطبة في زمن البطولات والشموخ.!

كان ابن حزم قد بلغ الثانية والثلاثين من العمر، وحين رأى إصرار أهل قرطبة على تولية حفيد آخر لرجل العصر الذهبي عبد الرحمن الناصر، أنضم إليهم، فما كان بوسعه أن يسكت.!!

مرة أخرى تغزو قلبه الأشواق إلى بناء الأندلس من جديد واستعادة الأيام الرائعة الغابرة .. فترك تأملاته وكتبه ومناظراته وقلمه وانضم للثائرين!..

وعزل أهل قرطبة الخليفة العلوي، وولوا مكانه عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار حفيد الناصر. ولم يكد يتولى حتى عين ابن حزم وزيرا له.

ولكن الخليفة الجديد لم يكن يملك من المواهب شيئاً ولم تكن له ميزة تؤهله لأن يكون أمير المؤمنين .. إلا أنه حفيد عبد الرحمن الناصر! كان شابا في نحو الثالثة والعشرين، غريرا، ساقط الهمة، سيطرت عليه النساء وأهل الدسائس .. وكان إلى ذلك طائشا يأخذ بالظن، مزهوا بشبابه وثرائه، مفتونا بالسلطة .. فلم يكد يستقر على عرش قرطبة، حتى شك في جماعة من الذين حملوه إلى العرش وهم من أهل المشورة والرأي والحكمة في الأندلس، وكافأهم على ما بذلوه من أجله بعزلهم وإقصائهم وإلقاء بعضهم في غيابات السجود، واتهمهم بالتآمر عليه ليولوا مكانه أمويا آخر وأظهر بدلا منهم عددا من الرقعاء وأهل الشذوذ وأصحاب السمعة السيئة!!

ولم ينتصح بنصيحة أحد، فقد أقنعته شكوكه وأقنعته بطانته أن كل من يعارضه يريد أن يسقطه، ويفاضل عليه أحد أبناء عمومته من الأمويين وثارت قرطبة من جديد وأخرت قادتها من السجن عنوة، وزحف الثائرون على قصر الخليفة فانتزعوه منه وقتلوه .. ولم يكن قد مر على ولايته أكثر من شهرين..!

وداست أقدام الثائرين ابن حزم وزير الخليفة المخلوع .. واتهموه بأنه سكت على المظالم، فألقوا به في السجن ولبث في السجن عدة أشهر.

ثم راجع الثوار أنفسهم وفحصوا أعمال ابن حزم خلال ولاية الخليفة المقتول، فلم يثبتوا على ابن حزم الموافقة على الفساد أو المظالم، وثبت لهم أنه كان عاجزا .. كان وزيرا لا يؤخذ برأيه، ولقد حاول أن يعتزل، ولكنه خاف طغيان الخليفة .. فقضى الشهرين وزيرا يتحمل الوزر بلا غنم..

خرج ابن حزم من السجن وفي عزمه ألا يتعاطى السياسة أبدا وأن يهب عمره كله للكتابة .. وعاد إلى العمل .. يقرأ ويكتب ويناظر..

ولكنه لم يكد يتفرغ لعمله أربع سنوات حتى ظهر رجل آخر أموي اسمه هشام من أحفاد عبد الرحمن الناصر.
هشام آخر!! وهو مرة أخرى من أحفاد الخليفة الذهبي العظيم!! .. ما أكثر ما تسخر الحياة بابن حزم الباحث عن الهدوء!

مرة أخرى يترك القلم والورق والمناظرة وينضم إلى الثوار!

ونظر هشام المعتد بالله بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر فيمن حوله من الرجال، فاختار ابن حزم وزيرا.

ولكنه الخليفة الجديد كان هو الآخر مخيبا للظنون، فلم يحقق شيئاً مما عقده الناس عليه من آمال، وشغله الصراع مع بني عمومته والأمراء الآخرين، وازدادت الدولة ضعفا، وصح فيها قول كبير الفرنجة أيام الفتح الإسلامي: لا تقاوموا الفاتحين فهم يتحركون بروح الفداء ويزحفون بالحرص على الاستشهاد وطمعا في نعيم الآخرة، وبإيمان جائح يستطيع أن يقتحم كل الصعاب .. ولكن انتظروا حتى يشغلوا بالمال والسلطة، ويتنازعوا على الحكم، وحينئذ يستطيع الفرنجة أن يستردوا الأندلس.

وفي الحق أن العرب حين نزلوا أرض الأندلس، بعزم، وجسارة قلب، وإدارة لا تقهر، اجتاحوا الأندلس بمثل طاقات المد، فهي لا تتوقف ولا يقاومها أحد بعد. وكانوا قد أحرقوا السفن من ورائهم، فما إلى فرار من سبيل، ولا محيص .. فإما الشهادة أو النصر!

ولكن نبوءة كبير الفرنجة تحققت، فتدهورت الأمور وتمزقت الدولة حتى أصبحت حراب الفرنجة تسند عرش أمير المؤمنين.!

على أن قرطبة ثارت على أمير المؤمنين هشام المعتد بالله، وأسقطته وأسقطت معه الدولة الأموية كلها، فلم تقم قائمة لها إلى الأبد .. وتولى بدلا من الأمويين ملوك الطوائف .. وقسموا إمارات الأندلس فيما بينهم، واختفي الخليفة المخلوع في أحد الثغور حتى مات بعد ست سنوات من خلعه.

أما ابن حزم، فلم يبق وزيرا حتى سقط الحكم الأموي، بل اعتزل المنصب حين تأكد له أنه لن يستطيع أن يحقق شيئا للدولة مما عاش يحلم به، إذ استيقن أن حفيد عبد الرحمن الناصر هزيل لا رجاء فيه.

ما ضعف ابن حزم أمام السياسة، وما حقق من خلالها شيئا ينفع الناس!؟ لقد وجدها أداة فاسدة التعبير، فليبحث إذن عن أداة أصلح!

ووجد في الكتابة التعبير عن أشواقه في إصلاح أمور الأمة، والنهوض بأحوال المسلمين، وعزم للقلب المعذب. وأنه ليشعر في أغوار نفسه أن جهاده بالفكر والقلم كالجهاد في سبيل الله بالسيف والمال .. ولكن في أي أرض يختار معركته.! ..؟

لم يشأ أن يحيا في قرطبة تحت ظلال حكم ملوك الطوائف .. فتركها وطاف بالأندلس، يجمع من حوله طلاب العلم فيلقي عليهم الدروس ويناظرهم، ويفرغ لنفسه يقرأ ويتأمل ويكتب. كانت له ضياع في أكثر من مكان في ريف الأندلس فكان يقيم في المدن القريبة من هذه الضياع، ثم يطوف بالعاملين في الأرض يتأمل أحوالهم ..

وهاله ما هم فيه من شقاء ..! وإنهم ليدفعون إيجارا باهظا للأرض، ولا يبقى ما يكفيهم للعيش بعد أداء الأجرة للملاك!! .. والملاك يحصلون على هذه الأموال الطائلة ويبنون القصور ويقتنون الجواري الحسان ويعيشون حياة فارغة من البطالة واللهو..!

وفكر ابن حزم في القاعدة الشرعية التي عليها هذا النظام، وعاد يقرأ النصوص في القرآن والسنة من جديد، وتتبع الآثار وأخبار الصحابة، حتى انتهى به النظر إلى أن نظام الإيجار في الأرض الزراعية حرام، فقد جرت السنة على المزارعة: يأخذ المالك نصف الإيراد أو ثلثيه أو ثلاثة أرباعه أو قل من ذلك والباقي يحصل عيه الزراع .. هكذا فعل الرسول "ص" بأهل خيبر .إذ زارعهم مناصفة.

وأعلن هذا الرأي فقامت عليه القيامة .. وأسرع كبار الملاك إلى الفقهاء يلتمسون منهم دفع البلاء الذي سينجم عن رأي ابن حزم ...

واجمع الفقهاء على أن ابن حزم يحرف في الدين، فهو يبتدع رأيا يخالف به كل الأئمة أصحاب المذاهب: مالك بن أنس، وأبي حنيفة النعمان والشافعي، واحمد بن حنبل، بل أنه ليخالف ما جرى عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان .. ثم إنه يناقض حتى شيخه الفقيه الذي نقل عنه استنباط الأحكام من ظاهر النص إلى الإجماع وهو داود الأصبهاني، إمام أهل الظاهر الذي أخذ عنه ابن حزم كل الأصول والفروع في الفقه.
لقد أتى ابن حزم إذن بما لم يقل به الأوائل .. وأنها لكبيرة أراد بها إثارة الفتنة بين الزراع وأصحاب المزارع .. فما ينبغي للحكام أن يتركوه يحدث من البدع أكثر مما أحدث..!

واتهم ابن حزم مخالفيه بالجهل وقال أن فقيها عظيما هو إمام أهل مصر الليث بن سعد قد نادى بهذا الرأي منذ أكثر من قرنين، وكانت له ضياع كثيرة، لم يؤجرها منذ اهتدى إلى هذا الرأي، بل كان ينتفع بها بالمزارعة، وكان يجعل معظم ما يحصل عليه في صرر ويجلس أيام الحصاد أمام باب داره في الفسطاط بجوار جامع عمرو، فيوزع الصرر على الفقراء والمساكين وذوي القربى كل واحد صرة أو أكثر من الصرر ويرسل بعضها خفية إلى أصحاب الحاجات من أهل العلم.: معلمين وطلابا..!

ولم يتهم أحد من الفقهاء الإمام الليث بأنه يثير الفتنة ، وحين عارضه بعض فقهاء عصره ممن يعيشون في ظروف اجتماعية مختلفة قال: "نحن أهل مصر والنوبة أدرى بأحوالنا من سوانا"!

لم يشغب أحد على الإمام الليث لأنه رأى قصر استثمار الأرض الزراعية على المزارعة، ولذلك لم يتوقف كثيرا ليدافع عن رأيه وليطنب في تقليله وتسبيبه! .. وكان كل ما لقيه الإمام الليث من خصوصية فيما بعد، هو إهمال أثاره ومؤلفاته ثم طمسها بعد موته، حتى لقد تحسر الإمام الشافعي على ضياع هذه الآثار النفسية، فوقف على قبر الليث وبكى .. ثم قال: "إنه أفقه من مالك، ولكن أهل مصر أضاعوه وتلاميذه لم يقوموا به"!!
فما بال فقهاء عصر ابن حزم يتهمونه بالزيغ، والبدعة..؟! وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..!
إنه ليخرج على مذاهب الأئمة الأربعة الكبار، وبصفة خاصة مذهب الإمام مالك الذي جرى على أحكامه القضاء في المغرب والأندلس، ومذهب الإمام أبي حنيفة الذي جرى عليه القضاء في المشرق، فهما قطبان تدور عليهما الشريعة والفتيا، .. وهذه كبيرة عند المقلدين!!

واستنفر هذا الاتهام ابن حزم إلا أنه يخالف مذهب مالك ومذهب أبي حنيفة مبتدع من أهل النار!؟

ورد على متهميه بهجوم عنيف على متبعي المذهبين، قبل أن يبدأ في توضيح رأيه في المزارعة والإجارة ..
قال: إنه يفتي من السنة، فالمزارعة هي عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو لم يؤجر أرض خيبر حين فتحها الله عليه، وإنما تركها مزارعة بالنصف لزراعها، وكانوا هم يهود خيبر، ثم مضى يقول: "فالمتبع هو القرآن والسنة لا قول أبي حنيفة ولا قول مالك لأنه لم يأمرنا قط باتباعهما. فمتبعهما مخالف لله تعلى. وإن كانت فتياهما مخالفة للنص فلا يحل لأحد اتباع ما خالف نص القرآن والسنة. وهكذا نقول في كل مفت بعد رسول الله .. قال معاوية لابن عباس: (أنت على ملة ابن عمك علي، قال: لا. ولا على ملة عثمان. أنا على ملة النبي صلى الله عليه وسلم) .. وقالت الخوارج لعمر بن عبد العزيز: (نريد أن تسير فينا بسيرة عمر بن الخطاب. فقال عمر بن عبد العزيز: ) (قاتلهم الله، والله ما أردت دون رسول الله إماما) ..

روى الإمام مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء"

وأنذر عليه السلام بدروس العلم (أي اضمحلاله) وظهور الجهل (أي تفوقه) .

ثم يضيف ابن حزم ساخرا: "فلعمري لئن كان العلم ما هم عليه من حفظ رأي أبي حنيفة ومالك والشافعي فما كان العلم قط أكثر مما هو منه الآن، وهيهات!"

ثم يستطرد ابن حزم " .. ولكن الحق والصدق هو ما أنذر به رسول الله. والذي درس هو اتباع القرآن والسنة فهذا هو الذي قل بلا شك وأصحابه هم الغرباء القليلون جعلنا الله منهم، ولا عدا بنا منهم .. وأما ولايتهم القضاء فهذه أخرى وأندم، وما عناية جورة الأمراء وظلمة الوزراء خلة محمودة، ولا خصلة مرغوب فيها في الآخرة. وأولئك القضاة وقد عرفناهم إنما ولاهم الطغاة والعتاة من بني العباس (في الشرق) وبني مروان (في الغرب) بالعنايات والتزلف إليهم عند دروس الخير وانتشار البلاء، وعودة الخلافة ملكا عضوضا، وابتزازا للأمة .. فهؤلاء القضاة هم مثل من ولاهم من المبطلين سنن الإسلام المحبين لسنن الجور والمكر "وأنواع من الربا والرشوة"، وأنواع الظلم وحل عرى الإسلام. وقد علمنا أحوال أولئك القضاة الذين يأخذون دينهم عنهم، وكيف كانوا في مشاهدة إظهار البدع من المحنة في القرآن بالسيف والسياط والسجن والقيد والنفي (يشير إلى محنة خلق القرآن التي جلد وعذب فيها الإمام احمد بن حنبل) .. فمثل هؤلاء لا يكترث بهم، وإنما كان أصل ذلك تغلب أبي يوسف (تلميذ أبي حنيفة) على هارون الرشيد (في بغداد) وتغلب يحيى (من اتباع مالك) على عبد الرحمن بن الحكم (في قرطبة) فلم يقلد القضاء شرقا وغربا إلا من أشار به هذان الرجلان. والناس حراص على الدنيا، فتتلمذ لهما الجمهور لا تدينا، ولكن طلبا للدنيا".
ثم يمضي في دحضه آراء المتمسكين بالمذاهب فيقول: "ونحن في غنى فائض ولله الحمد عن هذا التكلف، وفي مناديح رحبة (جمع مندوحة) عن هذا التعسف، بنصوص القرآن والسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا سبيل إلى وجود شرع لم ينص على حكمه".

وقال عن خصومه أنهم أحد رجلين: إما رجل لا يعلم السنة فهو جاهل، أو رجل علمها، وتركها إلى أقوال الأئمة أصحاب المذاهب فهو يخالف أوامر الله ورسوله. وكلا الرجلين فاسد الرأي ساقط الفتيا " ولا يحق له أصلا أن ينتحل العلم أو الفقه".

ويسوق ابن حزم بعد هذا حجته الدامغة من السنة بأسانيدها الصحاح الثابتة:

ـ عن الأوزاعي عن عطاء عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها فإن أبى فليمسك أرضه ).

عن نقل متواتر موجب للعلم المتيقن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض. وعن نقل أخر متواتر إنه نهى عن أن يؤخذ للأرض أجرة.

ـ من النقل المتواتر: "أعطى النبي صلى الله عليه وسلم خيبر اليهود على أن يعملوها ويزرعوها. ولهم شطر ما يخرج منها" وشطر ما يخرج منها أي نصفه. ويروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها، على أن يعملوها من أموالهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم نصف ثمرها، ويروي أنه لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبر أراد إجلاء اليهود عنها فسألوه أن يقرهم بها على أن يكفوه عملها ولهم نصف الثمرة

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نقركم بها على ذلك ما شئنا"

فقروا بها حتى أجلاهم عمر بن الخطاب..

ولم يسكت مخالفوه من الفقهاء والعلماء فردوا عليه الاتهام بالجهل ومخالفة الله ورسوله، واتهموه بقصور الفهم، إذ لم يفهم أن صلى الله عليه وسلم حرم إجارة الأرض بحكم خاص لا يجوز تعميمه، لأنه كان بشأن واقعة معينة، وهذا هو عين ما فهمه أصحاب المذاهب من الأئمة الكبار. فقد اقتتل رجلان على إجارة أرض زراعية .

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع"

أي لا تؤجروها فهو لم ينه عن مسلمان، فرد عليهم أن هذا يمكن أن ينطبق على المزارعة أيضاً، فقد يؤدي النزاع فيها إلى اقتتال مسلمين! .. ولكنهم أيدوا رأيهم في إباحة الإجازة بما قاله سعد بن أبي وقاص: "أرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في كراء الأرض بالذهب والورق".

ولكن ابن حزم رد قولهم عليهم، بالطعن في قوة السند الذي روى الحديث الوارد في واقعة الاقتتال، والخبر المنقول عن سعد بن أبي وقاص، وذهب إلى أنه حتى لو صح الأثران، فما يجوز العدول عن السنة الثابتة إلى خبر يرويه صحابي واحد مهما يكن خطر شأنه.! واتهمهم بأنهم بإباحة الأجر إنما يظلمون الزراع ويحابون الملاك! بأن يؤدي الزارع التزامه ويسلم المالك الأجرة المتفق عليها كاملة، مهما يقل الإنتاج، أو حتى إن لم تنتج الأرض أصلا. وهذا هو الظلم بعينه، { وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ }( فصلت ،الآية : 46 )

واستخلص النتيجة في حسم: "لا تجوز إجارة الأراضي أصلا لا لحرث فيها ولا للغرس فيها ولا للبناء فيها ولا شيء من الأشياء أصلا، لا لمدة مسماة قصيرة ولا طويلة، ولا بغير مدة مسماة، لا بدنانير ولا بدراهم، ولا بشيء أصلا، فمتى وقع فسخ أبدا، ولا يجوز في الأرض إلا المزارعة بجزء مسمى مما يخرج منها. أو المغارسة كذلك فقط، فإن كان فيها بناء قل أو أكثر جاز استئجار ذلك البناء وتكون الأرض تبعا لذلك البناء غير داخلة في
كمال العطار
كمال العطار
مدير المنتدي
مدير المنتدي

عدد المساهمات : 5682
تاريخ التسجيل : 11/05/2011

https://reydalsalhen.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى