منتدي رياض الصالحين
اهلا وسهلا بكل السادة الزوار ونرحب بكم بمنتديات رياض الصالحين ويشرفنا ويسعدنا انضمامكم لاسرة المنتدي

تفسيرسورة القصص من الاية 63 الى آخر السورة الشيخ سيد قطب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تفسيرسورة القصص من الاية 63 الى آخر السورة الشيخ سيد قطب

مُساهمة  كمال العطار في الخميس مايو 31, 2012 5:06 am

من الاية 68 الى الاية 70

وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)

الدرس السادس:68 - 70 حكمة الله وإرادته وعلمه وشكره

ثم يرد أمرهم وأمر كل شيء إلى إرادة الله واختياره , فهو الذي يخلق كل شيء , ويعلم كل شيء , وإليه مرد الأمر كله في الأولى والآخرة , وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم في الدنيا وله الرجعة والمآب . وما يملكون أن يختاروا لأنفسهم ولا لغيرهم , فالله يخلق ما يشاء ويختار:

(وربك يخلق ما يشاء ويختار , ما كان لهم الخيرة , سبحان الله وتعالى عما يشركون . وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون . وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة , وله الحكم وإليه ترجعون). .

وهذا التعقيب يجيء بعد حكاية قولهم: (إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا)وبعد استعراض موقفهم يوم الحساب على الشرك والغواية . . يجيء لتقرير أنهم لا يملكون الاختيار لأنفسهم فيختاروا الأمن أو المخافة ! ولتقرير وحدانية الله ورد الأمر كله إليه في النهاية .

(وربك يخلق ما يشاء ويختار . ما كان لهم الخيرة). .

إنها الحقيقة التي كثيرا ما ينساها الناس , أو ينسون بعض جوانبها . إن الله يخلق ما يشاء ; لا يملك أحد أن يقترح عليه شيئا ولا أن يزيد أو ينقص في خلقه شيئا , ولا أن يعدل أو يبدل في خلقه شيئا . وإنه هو الذي يختار من خلقه ما يشاء ومن يشاء لما يريد من الوظائف والأعمال والتكاليف والمقامات ; ولا يملك أحد أن يقترح عليه شخصا ولا حادثا ولا حركة ولا قولا ولا فعلا . . (ما كان لهم الخيرة)لا في شأن أنفسهم ولا في شأن غيرهم , ومرد الأمر كله إلى الله في الصغير والكبير . .

هذه الحقيقة لو استقرت في الأخلاد والضمائر لما سخط الناس شيئا يحل بهم , ولا استخفهم شيء ينالونه بأيديهم , ولا أحزنهم شيء يفوتهم أو يفلت منهم . فليسوا هم الذين يختارون , إنما الله هو الذي يختار .

وليس معنى هذا أن يلغوا عقولهم وإرادتهم ونشاطهم . ولكن معناه أن يتقبلوا ما يقع - بعد أن يبذلوا ما في وسعهم من التفكير والتدبير والاختيار - بالرضى والتسليم والقبول . فإن عليهم ما في وسعهم والأمر بعد ذلك لله .

ولقد كان المشركون يشركون مع الله آلهة مدعاة ; والله وحده هو الخالق المختار لا شريك له في خلقه ولا في اختياره . .

(سبحان الله وتعالى عما يشركون). .

(وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون). .

فهو مجازيهم بما يعلم من أمرهم , مختار لهم ما هم له أهل , من هدى أو ضلال .

(وهو الله لا إله إلا هو). . فلا شريك له في خلق ولا اختيار .

(له الحمد في الأولى والآخرة). . على اختياره , وعلى نعمائه , وعلى حكمته وتدبيره , وعلى عدله ورحمته , وهو وحده المختص بالحمد والثناء .

(وله الحكم). . يقضي في عباده بقضائه , لا راد له ولا مبدل لحكمه .

(وإليه ترجعون). . فيقضي بينكنم قضاءه الأخير . .

وهكذا يطوقهم بالشعور بقدرة الله وتفرد إرادته في هذا الوجود واطلاعه على سرهم وعلانيتهم فلا تخفى عليه منهم خافية ; وإليه مرجعهم فلا تشرد منهم شاردة . فكيف يشركون بالله بعد هذا وهم في قبضته لا يفلتون ?

الدرس السابع:71 - 73 نعمة الله على الإنسان في تعاقب الليل والنهار

ثم يجول بهم جولة في مشاهد الكون الذي يعيشون فيه غافلين عن تدبير الله لهم , واختياره لحياتهم ومعاشهم ;

67

قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءلُونَ (66) فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67)

(أين شركائي الذين كنتم تزعمون ?). .

والله يعلم أن لا وجود اليوم لهؤلاء الشركاء , وأن أتباعهم لا يعلمون عنهم شيئا , ولا يستطيعون إليهم سبيلا . ولكنه الخزي والفضيحة على رؤوس الأشهاد .

ومن ثم لا يجيب المسؤولون عن السؤال , فليس المقصود به هو الجواب ! إنما يحاولون أن يتبرأوا من جريرة إغوائهم لمن وراءهم , وصدهم عن هدى الله , كما كان يفعل كبراء قريش مع الناس خلفهم , فيقولون:

(ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا ; تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون)!

ربنا إننا لم نغوهم قسرا , فما كان لنا من سلطان على قلوبهم ; إنما هم وقعوا في الغواية عن رضى منهم واختيار , كما وقعنا نحن في الغواية دون إجبار . (تبرأنا إليك)من جريمة إغوائهم . (ما كانوا إيانا يعبدون)إنما كانوا يعبدون أصناما وأوثانا وخلقا من خلقك , ولم نجعل أنفسنا لهم آلهة , ولم يتوجهوا إلينا نحن بالعبادة !

عندئذ يعود بهم إلى المخزاة التي حولوا الحديث عنها . مخزاة الشركاء الذين اتخذوهم من دون الله:

(وقيل:ادعوا شركاءكم). .

ادعوهم ولا تهربوا من سيرتهم ! ادعوهم ليلبوكم وينقذوكم ! ادعوهم فهذا يومهم وهذه فائدتهم !

والبائسون يعرفون أن لا جدوى من دعائهم , ولكنهم يطيعون الأمر مقهورين:

(فدعوهم فلم يستجيبوا لهم). .

ولم يكن منتظرا غير ذاك , ولكنه الإذلال والإعنات !

(ورأوا العذاب). .

رأوه في هذا الحوار . ورأوه ماثلا وراءه . فليس وراء هذا الموقف إلا العذاب .

وهنا في اللحظة التي يصل فيها المشهد إلى ذروته يعرض عليهم الهدى الذي يرفضونه , وهو أمنية المتمني في ذلك الموقف المكروب:وهو بين أيديهم في الدنيا لو أنهم إليه يسارعون:

(لو أنهم كانوا يهتدون). .

ثم يعود بهم إلى ذلك المشهد المكروب:

(ويوم يناديهم فيقول , ماذا أجبتم المرسلين ?). .

وإن الله ليعلم ماذا أجابوا المرسلين . ولكنه كذلك سؤال التأنيب والترذيل . وإنهم ليواجهون السؤال بالذهول والصمت ذهول المكروب وصمت الذي لا يجد ما يقول:

(فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون).

والتعبير يلقي ظل العمى على المشهد والحركة . وكأنما الأنباء عمياء لا تصل إليهم , وهم لا يعلمون شيئا عن أي شيء ! ولا يملكون سؤالا ولا جوابا . وهم في ذهولهم صامتون ساكتون !

(فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين). .

وهذه هي الصفحة المقابلة . ففي الوقت الذي يبلغ الكرب ذروته بالمشركين , يتحدث عمن تاب وآمن وعمل صالحا , وما ينتظره من الرجاء في الفلاح . ولمن شاء أن يختار . وفي الوقت فسحة للاختيار !

من الاية 71 الى الاية 73

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73)

فيوقظ مشاعرهم لظاهرتين كونيتين عظيمتين . ظاهرتي الليل والنهار , وما وراءهما من أسرار الاختيار والشهادة بوحدانية الخالق المختار:

(قل:أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء ? أفلا تسمعون ? قل:أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه ? أفلا تبصرون ? ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله , ولعلكم تشكرون). .

والناس لطول ما اعتادوا من كر الجديدين ينسون جدتهما المتكررة التي لا تبلى . ولا يروعهم مطلع الشمس ولا مغيبها إلا قليلا . ولا يهزهم طلوع النهار وإقبال الليل إلا نادرا . ولا يتدبرون ما في تواليهما من رحمة بهم وإنقاذ من البلى والدمار , أو التعطل والبوار , أو الملل والهمود .

والقرآن الكريم يوقظهم من همود الإلف والعادة , ويلفتهم إلى تملي الكون من حولهم ومشاهده العظيمة ; وذلك حين يخيل إليهم استمرار الليل أبدا أو النهار أبدا , وحين يخيفهم من عواقب هذا وذاك . وما يشعر الإنسان بقيمة الشيء إلا حين يفقده أو يخاف عليه الفقدان .

قل:أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة . ومن إله غير الله يأتيكم بضياء ? أفلا تسمعون . .

والناس يشتاقون إلى الصبح حين يطول بهم الليل قليلا في أيام الشتاء , ويحنون إلى ضياء الشمس حين تتوارى عنهم فترة وراء السحاب ! فكيف بهم لو فقدوا الضياء . ولو دام عليهم الليل سرمدا إلى يوم القيامة ? ذلك على فرض أنهم ظلوا أحياء . وإن الحياة كلها لمعرضة للتلف والبوار , لو لم يطلع عليها النهار !

(قل:أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة . من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه ? أفلا تبصرون ?) . .

والناس يستروحون الظلال حين يطول عليهم الهجير ساعات من النهار . ويحنون إلى الليل حين يطول النهار بعض ساعات في الصيف . ويجدون في ظلام الليل وسكونه الملجأ والقرار . والحياة كلها تحتاج إلى فترة الليل لتجدد ما تنفقه من الطاقة في نشاط النهار . فكيف بالناس لو ظل النهار سرمدا إلى يوم القيامة على فرض أنهم ظلوا أحياء . وإن الحياة كلها لمعرضة للتلف والبوار إن دام عليها النهار !

ألا إن كل شيء بقدر . وكل صغيرة وكبيرة في هذا الكون بتدبير . وكل شيء عنده بمقدار:

(ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون). .

فالليل سكينة وقرار , والنهار نشاط وعمل , والمتجه فيه إلى فضل الله . فما يعطي الناس شيئا إلا من فضله (ولعلكم تشكرون)ما يسره الله لكم من نعمة ومن رحمة , وما دبره لكم واختاره من توالي الليل والنهار , ومن كل سنن الحياة التي لم تختاروها , ولكن اختارها الله عن رحمة وعن علم وعن حكمة تغفلون عنها لطول الإلف والتكرار .

الدرس الثامن:74 - 75 خسارة المشركين يوم القيامة

ويختم هذه الجولات بمشهد سريع من مشاهد القيامة يسألهم فيه سؤال استنكار عما زعموا من شركاء . ويقفهم

من الاية 74 الى الاية 75

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75)

وجها لوجه أمام أباطيلهم المدعاة , حيث تتذاوب وتتهاوى في موقف السؤال والحساب:

(ويوم يناديهم فيقول:أين شركائي الذين كنتم تزعمون ? ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا:هاتوا برهانكم . فعلموا أن الحق لله , وضل عنهم ما كانوا يفترون). .

وتصوير يوم النداء , وما فيه من سؤال عن الشركاء , قد سبق في جولة ماضية . فهو يعاد هنا لتوكيده وتثبيته بمناسبة المشهد الجديد الذي يعرض هنا . مشهد نزع شهيد من كل أمة . وهو نبيها الذي يشهد بما أجابته وما استقبلت به رسالته . والنزع حركة شديدة , والمقصود إقامته وإبرازه وإفراده من بينهم ليشهده قومه جميعا وليشهد قومه جميعا . وفي مواجهة هذا الشاهد يطلب منهم برهانهم على ما اعتقدوا وما فعلوا . وليس لديهم برهان ; ولا سبيل لهم يومئذ إلى المكابرة:

(فعلموا أن الحق لله). . الحق كله خالصا لا شبهة فيه ولا ريبة .

(وضل عنهم ما كانوا يفترون). . من شرك ومن شركاء , فما هو بواجدهم وما هم بواجديه ! في وقت حاجتهم إليه في موقف الجدل والبرهان !

بهذا تنتهي التعقيبات على قصة موسى وفرعون . وقد طوفت بالنفوس والقلوب في تلك الآفاق والعوالم والأحداث والمشاهد وردتها من الدنيا إلى الآخرة , ومن الآخرة إلى الدنيا . وطوقت بها في جنبات الكون وفي أغوار النفس , وفي مصارع الغابرين , وفي سنن الكون والحياة . متناسقة كلها مع محور السورة الأصيل . ومع القصتين الرئيسيتين في السورة:قصة موسى وفرعون . وقصة قارون . وقد مضت الأولى . فلنستعرض الثانية بعد تلك التعقيبات وهذه الجولات .

الوحدة الثالثة:76 - 84 الموضوع:قصة قارون وتعقيب عليها

من الاية 76 الى الاية 77

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)

مقدمة الوحدة

مضت مطالع السورة بقصة موسى وفرعون , وقد عرضت فيها قوة السلطان والحكم , وكيف باءت بالبوار مع البغي والظلم , والكفران بالله , والبعد عن هداه . والآن تجيء قصة قارون لتعرض سلطان المال والعلم , وكيف ينتهي بالبوار مع البغي والبطر , والاستكبار على الخلق وجحود نعمة الخالق . وتقرر حقيقة القيم , فترخص من قيمة المال والزينة إلى جانب قيمة الإيمان والصلاح ; مع الاعتدال والتوازن في الاستمتاع بطيبات الحياة دون علو في الأرض ولا فساد .

ولا يحدد القرآن زمان القصة ولا مكانها ; إنما يكتفي بأن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم . فهل وقعت هذه القصة وبنو إسرائيل وموسى في مصر قبل الخروج ? أم وقعت بعد الخروج في حياة موسى ? أم وقعت في بني إسرائيل من بعد موسى ? هناك روايات تقول:إنه كان ابن عم لموسى - عليه السلام - وأن الحادث وقع في زمان موسى . ويزيد بعضها فيذكر أن قارون آذى موسى , ودبر له مكيدة ليلصق به تهمة الفاحشة بامرأة معينة في مقابل رشوة من المال , فبرأ الله موسى وأذن له في قارون , فخسفت به الأرض . .

ولسنا في حاجة إلى كل هذه الروايات , ولا إلى تحديد الزمان والمكان . فالقصة كما وردت في القرآن كافية لأداء الغرض منها في سياق السورة , ولتقرير القيم والقواعد التي جاءت لتقريرها . ولو كان تحديد زمانها ومكانها وملابساتها يزيد في دلالتها شيئا ما ترك تحديدها . فلنستعرضها إذن في صورتها القرآنية , بعيدة عن تلك الروايات التي لا طائل وراءها . .

الدرس الأول:76 - 78 طغيان قارون واعتداؤه بماله

(إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ; وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة . إذ قال له قومه:لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين . وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك , ولا تبغ الفساد في الأرض , إن الله لا يحب المفسدين . قال:إنما أوتيته على علم عندي). .

هكذا تبدأ القصة فتعين اسم بطلها "قارون" وتحدد قومه "قوم موسى " وتقرر مسلكه مع قومه , وهو مسلك البغي (فبغى عليهم)وتشير إلى سبب هذا البغي وهو الثراء:

(وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة). .

ثم تمضي بعد ذلك في استعراض الأحداث والأقوال والانفعالات التي صاحبتها في النفوس . لقد كان قارون من قوم موسى , فأتاه الله مالا كثيرا , يصور كثرته بأنه كنوز - والكنز هو المخبوء المدخر منالمال الفائض عن الاستعمال والتداول - وبأن مفاتح هذه الكنوز تعيي المجموعة من أقوياء الرجال . . من أجل هذا بغى قارون على قومه . ولا يذكر فيم كان البغي , ليدعه مجهلا يشمل شتى الصور . فربما بغى عليهم بظلمهم وغصبهم أرضهم وأشياءهم - كما يصنع طغاة المال في كثير من الأحيان - وربما بغى عليهم بحرمانهم حقهم في ذلك المال . حق الفقراء في أموال الأغنياء , كي لا يكون دولة بين الأغنياء وحدهم ومن حولهم محاويج إلى شيء منه , فتفسد القلوب , وتفسد الحياة . وربما بغى عليهم بهذه وبغيرها من الأسباب .

وعلى أية حال فقد وجد من قومه من يحاول رده عن هذا البغي , ورجعه إلى النهج القويم , الذي يرضاه الله في التصرف بهذا الثراء ; وهو نهج لا يحرم الأثرياء ثراءهم ; ولا يحرمهم المتاع المعتدل بما وهبهم الله من مال ; ولكنه يفرض عليهم القصد والاعتدال ; وقبل ذلك يفرض عليهم مراقبة الله الذي أنعم عليهم , ومراعاة الآخرة وما فيها من حساب:

إذ قال له قومه:لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين . وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة , ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك , ولا تبغ الفساد في الأرض . إن الله لايحب المفسدين .

وفي هذا القول جماع ما في المنهج الإلهي القويم من قيم وخصائص تفرده بين سائر مناهج الحياة .

(لا تفرح). . فرح الزهو المنبعث من الاعتزاز بالمال , والاحتفال بالثراء , والتعلق بالكنوز , والابتهاج بالملك والاستحواذ . . لا تفرح فرح البطر الذي ينسي المنعم بالمال ; وينسي نعمته , وما يجب لها من الحمد والشكران . لا تفرح فرح الذي يستخفه المال , فيشغل به قلبه , ويطير له لبه , ويتطاول به على العباد . .

(إن الله لا يحب الفرحين). . فهم يردونه بذلك إلى الله , الذي لا يحب الفرحين المأخوذين بالمال , المتباهين , المتطاولين بسلطانه على الناس .

(وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة , ولا تنس نصيبك من الدنيا). . وفي هذا يتمثل اعتدال المنهج الإلهي القويم . المنهج الذي يعلق قلب واجد المال بالآخرة . ولا يحرمه أن يأخذ بقسط من المتاع في هذه الحياة . بل يحضه على هذا ويكلفه إياه تكليفا , كي لا يتزهد الزهد الذي يهمل الحياة ويضعفها .

لقد خلق الله طيبات الحياة ليستمتع بها الناس ; وليعملوا في الأرض لتوفيرها وتحصيلها , فتنمو الحياة وتتجدد , وتتحقق خلافة الإنسان في هذه الأرض . ذلك على أن تكون وجهتهم في هذا المتاع هي الآخرة , فلا ينحرفون عن طريقها , ولا يشغلون بالمتاع عن تكاليفها . والمتاع في هذه الحالة لون من ألوان الشكر للمنعم , وتقبل لعطاياه , وانتفاع بها . فهو طاعة من الطاعات يجزي عليها الله بالحسنى .

وهكذا يحقق هذا المنهج التعادل والتناسق في حياة الإنسان , ويمكنه من الارتقاء الروحي الدائم من خلال حياته الطبيعية المتعادلة , التي لا حرمان فيها , ولا إهدار لمقومات الحياة الفطرية البسيطة .

(وأحسن كما أحسن الله إليك). . فهذا المال هبة من الله وإحسان . فليقابل بالإحسان فيه . إحسان التقبل وإحسان التصرف , والإحسان به إلى الخلق , وإحسان الشعور بالنعمة , وإحسان الشكران .

(ولا تبغ الفساد في الأرض). . الفساد بالبغي والظلم . والفساد بالمتاع المطلق من مراقبة الله ومراعاة الآخرة . والفساد بملء صدور الناس بالحرج والحسد والبغضاء والفساد بإنفاق المال في غير وجه أو إمساكه عن وجهه على كل حال .

(إن الله لا يحب المفسدين). . كما أنه لا يحب الفرحين .

من الاية 78 الى الاية 78

قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)

كذلك قال له قومه:فكان رده جملة واحدة , تحمل شتى معاني الفساد والإفساد:

(قال:إنما أوتيته على علم عندي)!

إنما أوتيت هذا المال استحقاقا على علمي الذي طوع لي جمعه وتحصيله . فما لكم تملون علي طريقة خاصة في التصرف فيه , وتتحكمون في ملكيتي الخاصة , وأنا إنما حصلت هذا المال بجهدي الخاص , واستحققته بعلمي الخاص ?

إنها قولة المغرور المطموس الذي ينسى مصدر النعمة وحكمتها , ويفتنه المال ويعميه الثراء .

وهو نموذج مكرر في البشرية . فكم من الناس يظن أن علمه وكده هما وحدهما سبب غناه . ومن ثم فهو غير مسؤول عما ينفق وما يمسك , غير محاسب على ما يفسد بالمال وما يصلح , غير حاسب لله حسابا , ولا ناظر إلى غضبه ورضاه !

والإسلام يعترف بالملكية الفردية , ويقدر الجهد الفردي الذي بذل في تحصيلها من وجوه الحلال التي يشرعها ; ولا يهون من شأن الجهد الفردي أو يلغيه . ولكنه في الوقت ذاته يفرض منهجا معينا للتصرف في الملكية الفردية - كما يفرض منهجا لتحصيلها وتنميتها - وهو منهج متوازن متعادل , لا يحرم الفرد ثمرة جهده , ولا يطلق يده في الاستمتاع به حتى الترف ولا في إمساكه حتى التقتير ; ويفرض للجماعة حقوقها في هذا المال , ورقابتها على طرق تحصيله , وطرق تنميته . وطرق إنفاقه والاستمتاع به . وهو منهج خاص واضح الملامح متميز السمات .

ولكن قارون لم يستمع لنداء قومه , ولم يشعر بنعمة ربه , ولم يخضع لمنهجه القويم . وأعرض عن هذا كله في استكبار لئيم وفي بطر ذميم .

ومن ثم جاءه التهديد قبل تمام الآية , ردا على قولته الفاجرة المغرورة:

(أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ? ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون).

فإن كان ذا قوة وذا مال , فقد أهلك الله من قبله أجيالا كانت أشد منه قوة وأكثر مالا . وكان عليه أن يعلم هذا . فهذا هو العلم المنجي . فليعلم . وليعلم أنه هو وأمثاله من المجرمين أهون على الله حتى من أن يسألهم عن ذنوبهم . فليسوا هم الحكم ولا الأشهاد !

(ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون)!

الدرس الثاني:79 - 80 الناس فريقان أمام فتنة قارون

ذلك كان المشهد الأول من مشاهد القصة , يتجلى فيه البغي والتطاول , والإعراض عن النصح , والتعالي على العظة , والإصرار على الفساد , والاغترار بالمال , والبطر الذي يقعد بالنفس عن الشكران .

ثم يجيء المشهد الثاني حين يخرج قارون بزينته على قومه , فتطير لها قلوب فريق منهم , وتتهاوى لها نفوسهم , ويتمنون لأنفسهم مثل ما أوتي قارون , ويحسون أنه أوتي حظا عظيما يتشهاه المحرومون . ذلك على حين يستيقظ الإيمان في قلوب فريق منهم فيعتزون به على فتنة المال وزينة قارون , ويذكرون إخوانهم المبهورين المأخوذين , في ثقة وفي يقين:

فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا:يا ليت لنا مثلما أوتي قارون . إنه لذو حظ عظيم . وقال الذين أوتوا العلم:ويلكم ! ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا , ولا يلقاها إلا الصابرون .

من الاية 79 الى الاية 82

فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)

وهكذا وقفت طائفة منهم أمام فتنة الحياة الدنيا وقفة المأخوذ المبهور المتهاوي المتهافت , ووقفت طائفة أخرى تستعلي على هذا كله بقيمة الإيمان , والرجاء فيما عند الله , والاعتزاز بثواب الله . والتقت قيمة المال وقيمة الإيمان في الميزان:

قال الذين يريدون الحياة الدنيا:ياليت لنا مثل ما أوتي قارون . إنه لذو حظ عظيم . .

وفي كل زمان ومكان تستهوي زينة الأرض بعض القلوب , وتبهر الذين يريدون الحياة الدنيا , ولا يتطلعون إلى ما هو أعلى وأكرم مها ; فلا يسألون بأي ثمن اشترى صاحب الزينة زينته ? ولا بأي الوسائل نال ما نال من عرض الحياة ? من مال أو منصب أو جاه . ومن ثم تتهافت نفوسهم وتتهاوى , كما يتهافت الذباب على الحلوى ويتهاوى ! ويسيل لعابهم على ما في أيدي المحظوظين من متاع , غير ناظرين إلى الثمن الباهظ الذي أدوه , ولا إلى الطريق الدنس الذي خاضوه , ولا إلى الوسيلة الخسيسة التي اتخذوها .

فأما المتصلون بالله فلهم ميزان آخر يقيم الحياة , وفي نفوسهم قيم أخرى غير قيم المال والزينة والمتاع . وهم أعلى نفسا , وأكبر قلبا من أن يتهاووا ويتصاغروا أمام قيم الأرض جميعا . ولهم من استعلائهم بالله عاصم من التخاذل أمام جاه العباد . وهؤلاء هم (الذين أوتوا العلم). العلم الصحيح الذي يقومون به الحياة حق التقويم:

(وقال الذين أوتوا العلم:ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا , ولا يلقاها إلا الصابرون).

)

ثواب الله خير من هذه الزينة , وما عند الله خير مما عند قارون . والشعور على هذا النحو درجة رفيعة لا يلقاها إلى الصابرون . . الصابرون على معايير الناس ومقاييسهم . الصابرون على فتنة الحياة وإغرائها . الصابرون على الحرمان مما يتشهاه الكثيرون . وعندما يعلم الله منهم الصبر كذلك يرفعهم إلى تلك الدرجة . درجة الاستعلاء على كل ما في الأرض , والتطلع إلى ثواب الله في رضى وثقة واطمئنان .

الدرس الثالث:81 - 82 الخسف بقارون وماله

وعندما تبلغ فتنة الزينة ذروتها , وتتهافت أمامها النفوس وتتهاوى , تتدخل يد القدرة لتضع حدا للفتنة , وترحم الناس الضعاف من إغرائها , وتحطم الغرور والكبرياء تحطما . ويجيء المشهد الثالث حاسما فاصلا:

(فخسفنا به وبداره الأرض , فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله , وما كان من المنتصرين). .

هكذا في جملة قصيرة , وفي لمحة خاطفة: (فخسفنا به وبداره الأرض)فابتلعته وابتعلت داره , وهوى في بطن الأرض التي علا فيها واستطال فوقها جزاء وفاقا . وذهب ضعيفا عاجزا , لا ينصره أحد , ولا ينتصر بجاه أو مال .

وهوت معه الفتنة الطاغية التي جرفت بعض الناس ; وردتهم الضربة القاضية إلى الله ; وكشفت عن قلوبهم قناع الغفلة والضلال . وكان هذا المشهد الأخير:

وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون:وي ! كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر . لولا أن من الله علينا لخسف بنا . وي ! كأنه لا يفلح الكافرون . .

وقفوا يحمدون الله أن لم يستجب لهم ما تمنوه بالأمس , ولم يؤتهم ما آتى قارون . وهم يرون المصير البائس الذي انتهى إليه بين يوم وليلة . وصحوا إلى أن الثراء ليس آية على رضى الله . فهو يوسع الرزق على من يشاء من عباده ويضيقه لأسباب أخرى غير الرضى والغضب . ولو كان دليل رضاه ما أخذ قارون هذا الأخذ الشديد العنيف . إنما هو الابتلاء الذي قد يعقبه البلاء . وعلموا أن الكافرين لا يفلحون . وقارون لم يجهر بكلمة الكفر
من الاية 83 الى الاية 84

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84)

ولكن اغتراره بالمال , ونسبته إلى ما عنده من العلم جعلهم يسلكونه في عداد الكافرين , ويرون في نوع هلاكه أنه هلاك للكافرين .

ويسدل الستار على هذا المشهد . وقد انتصرت القلوب المؤمنة بتدخل القدرة السافرة , وقد رجحت قيمة الإيمان في كفة الميزان . . ثم يأخذ في التعقيب في أنسب أوان:

(تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا . والعاقبة للمتقين). .

تلك الآخرة التي تحدث عنها الذين أوتوا العلم . العلم الحق الذي يقوم الأشياء قيمتها الحقيقية . تلك الدار الآخرة العالية الرتبة البعيدة الآفاق . تلك الدار الآخرة (نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا). . فلا يقوم في نفوسهم خاطر الاستعلاء بأنفسهم لأنفسهم ; ولا يهجس في قلوبهم الاعتزاز بذواتهم والاعتزاز بأشخاصهم وما يتعلق بها . إنما يتوارى شعورهم بأنفسهم ليملأها الشعور بالله , ومنهجه في الحياة . أولئك الذين لا يقيمون لهذه الأرض وأشيائها وأعراضها وقيمها وموازينها حسابا . ولا يبغون فيها كذلك فسادا . أولئك هم الذين جعل الله لهم الدار الآخرة . تلك الدار العالية السامية .

(والعاقبة للمتقين)الذين يخشون الله ويراقبونه ويتحرجون من غضبه ويبتغون رضاه .

وفي تلك الدار الآخرة يقع الجزاء كما كتب الله على نفسه . الحسنة بأضعافها وبما هو خير منها . والسيئة بمثلها رحمة بضعف الخلق وتيسيرا:

(من جاء بالحسنة فله خير منها . ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون). .

الوحدة الخامسة:85 - 88 الموضوع توجيهات للرسول والدعاة من بعده

والآن وقد انتهى القصص , وانتهت التعقيبات المباشرة على ذلك القصص . الآن يتوجه الخطاب إلى رسول الله [ ص ] ومن خلفه القلة المسلمة التي كانت يومها بمكة . يتوجه الخطاب إلى رسول الله [ ص ] وهو مخرج من بلده , مطارد من قومه , وهو في طريقه إلى المدينة لم يبلغها بعد , فقد كان بالجحفة قريبا من مكة , قريبا من الخطر , يتعلق قلبه وبصره ببلده الذي يحبه , والذي يعز عليه فراقه , لولا أن دعوته أعز عليه من بلده وموطن صباه , ومهد ذكرياته , ومقر أهله . يتوجه الخطاب إلى رسول الله [ ص ]

من الاية 85 الى الاية 86

إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (85) وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِّلْكَافِرِينَ (86)

وهو في موقفه ذاك:

(إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد). .

فما هو بتاركك للمشركين , وقد فرض عليك القرآن وكلفك الدعوة . ما هو بتاركك للمشركين يخرجونك من بلدك الحبيب إليك , ويستبدون بك وبدعوتك , ويفتنون المؤمنين من حولك . إنا فرض عليك القرآن لينصرك به في الموعد الذي قدره , وفي الوقت الذي فرضه ; وإنك اليوم لمخرج منه مطارد , ولكنك غدا منصور إليه عائد .

وهكذا شاءت حكمة الله أن ينزل على عبده هذا الوعد الأكيد في ذلك الظرف المكروب , ليمضي [ ص ] في طريقه آمنا واثقا , مطمئنا إلى وعد الله الذي يعلم صدقه , ولا يستريب لحظة فيه .

وإن وعد الله لقائم لكل السالكين في الطريق ; وإنه ما من أحد يؤذى في سبيل الله , فيصبر ويستيقن إلا نصره الله في وجه الطغيان في النهاية , وتولى عنه المعركة حين يبذل ما في وسعه , ويخلي عاتقه , ويؤدي واجبه .

(إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد). ولقد رد موسى من قبل إلى الأرض التي خرج منها هاربا مطاردا . رده فأنقذ به المستضعفين من قومه , ودمر به فرعون وملأه , وكانت العاقبة للمهتدين . . فامض إذن في طريقك , ودع أمر الحكم فيما بينك وبين قومك لله الذي فرض عليك القرآن:

(قل:ربي أعلم من جاء بالهدى , ومن هو في ضلال مبين). .

ودع الأمر لله يجازي المهتدين والضالين .

وما كان فرض القرآن عليك إلا نعمة ورحمة ; وما كان يجول في خاطرك أن تكون أنت المختار لتلقي هذه الأمانة . وإنه لمقام عظيم ما كنت تتطلع إليه قبل أن توهبه:

(وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك). .

وهو تقرير قاطع عن عدم تطلع الرسول [ ص ] إلى الرسالة ; إنما هو اختيار الله . والله يخلق ما يشاء ويختار , فذلك الأفق أعلى من أن يفكر فيه بشر قبل أن يختاره الله له ويؤهله ليرقاه . وهو رحمة من الله بنبيه وبالبشرية التي اختاره لهدايتها بهذه الرسالة . رحمة توهب للمختارين لا للمتطلعين . ولقد كان من حوله كثيرون في العرب وفي بني إسرائيل يتطلعون إلى الرسالة المنتظرة في آخر الزمان . ولكن الله - وهو أعلم حيث يجعل رسالته - وقد اختار لها من لم يتطلع إليها ولم يرجها , من دون أولئك الطامعين المتطلعين , حينما علم منه الاستعداد لتلقي ذلك الفيض العظيم .

ومن ثم يأمره ربه - بما أنعم عليه بهذا الكتاب - ألا يكون ظهيرا للكافرين ; ويحذره أن يصدوه عن آيات الله ويمحض له عقيدة التوحيد خالصة في وجه الشرك والمشركين .

(فلا تكونن ظهيرا للكافرين ; ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك ; وادع إلى ربك , ولا تكونن من المشركين . ولا تدع مع الله إلها آخر , لا إله إلا هو . كل شيء هالك إلا وجهه . له الحكم وإليه ترجعون). .

إنه الإيقاع الأخير في السورة , يفصل ما بين رسول الله [ ص ] وطريقه وما بين الكفر والشرك وطريقه . ويبين لأتباع رسول الله [ ص ] طريقهم إلى يوم القيامة . . الإيقاع الأخير ورسول الله [ ص ] في طريق هجرته الفاصلة بين عهدين متميزين من عهود التاريخ .

(فلا تكونن ظهيرا للكافرين). . فما يمكن أن يكون هناك تناصر أو تعاون بين المؤمنين والكافرين . وطريقاهما
من الاية 87 الى آخر السورة

وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)

مختلفان , ومنهجاهما مختلفان . أولئك حزب الله , وهؤلاء حزب الشيطان . فعلام يتعاونان ? وفيم يتعاونان ?

(ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك). . فطريق الكفار دائما أن يصدوا أصحاب الدعوة عن دعوتهم بشتى الطرق والوسائل . وطريق المؤمنين أن يمضوا في طريقهم لا يلويهم عنها المعوقون , ولا يصدهم عنها أعداؤهم . وبين أيديهم آيات الله , وهم عليها مؤتمنون .

(وادع إلى ربك). . دعوة خالصة واضحة لا لبس فيها ولا غموض . دعوة إلى الله لا لقومية ولا لعصبية , ولا لأرض ولا لراية . ولا لمصلحة ولا لمغنم , ولا لتمليق هوى , ولا لتحقيق شهوة . ومن شاء أن يتبع هذه الدعوة على تجردها فليتبعها , ومن أراد غيرها معها فليس هذا هو الطريق .

(ولا تكونن من المشركين . ولا تدع مع الله إلها آخر)يؤكد هذه القاعدة مرتين بالنهي عن الشرك والنهي عن اتخاذ إله آخر مع الله . ذلك أنها مفرق الطريق في العقيدة بين النصاعة والغموض . وعلى هذه القاعدة يقوم بناء هذه العقيدة كلها , وآدابها وأخلاقها وتكاليفها وتشريعاتها جميعا . وهي المحور الذي يلتف عليه كل توجيه وكل تشريع . ومن ثم هي تذكر قبل كل توجيه وقبل كل تشريع .

ثم يمضي في التوكيد والتقرير:

(لا إله إلا هو). . (كل شيء هالك إلا وجهه). . (له الحكم). . (وإليه ترجعون). .

(لا إله إلا هو). . فلا إسلام إلا لله , ولا عبودية - إلا له , ولا قوة إلا قوته , ولا ملاذ إلا حماه .

(كل شيء هالك إلا وجهه). . فكل شيء زائل . وكل شيء ذاهب . المال والجاه . والسلطان والقوة . والحياة والمتاع . وهذه الأرض ومن عليها . وتلك السماوات وما فيها ومن فيها . وهذا الكون كله ما نعلمه منه وما نجهله . . كله . كله . هالك فلا يبقى إلا وجه الله الباقي . متفردا بالبقاء .

له الحكم . . يقضي بما يشاء ويحكم كما يشاء , لا يشركه في حكمه أحد , ولا يرد قضاءه أحد , ولا يقف لأمره أمر . وما يشاؤه فهو الكائن دون سواه .

(وإليه ترجعون). . فلا مناص من حكمه , ولا مفر من قضائه , ولا ملجأ دونه ولا مهرب .

وهكذا تختم السورة التي تتجلى فيها يد القدرة سافرة , تحرس الدعوة إلى الله وتحميها , وتدمر القوى الطاغية والباغية وتمحوها . تختم بتقرير قاعدة الدعوة:وحدانية الله سبحانه وتفرده بالألوهية والبقاء والحكم والقضاء . ليمضي أصحاب الدعوات في طريقهم على هدى , وعلى ثقة , وعلى طمأنينة , وفي يقين . .

سورة العنكبوت

الوحدة الأولى:1 - 13 الموضوع:حقيقة الإيمان وسنة الإبتلاء وفردية التبعة

كمال العطار
مدير المنتدي
مدير المنتدي

عدد المساهمات: 5682
تاريخ التسجيل: 11/05/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://reydalsalhen.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى